بقلم ملاك الكوري
ليست المشكلة في الإعلام أن لدينا موظفًا لا يعمل أو مديرًا لا يجيد الإدارة أو ناطقًا إعلاميًا لا يجيد الحديث…
المشكلة الأكبر حين تغيب “المؤسسة” نفسها ويصبح العمل الإعلامي رهينة الأشخاص والاجتهادات والانطباعات الشخصية.
وهنا السؤال الذي يستحق أن يطرح بصوت عالٍ وحتى أن يكون مسموعًا من الجهات المعنية…
أين المؤسسية في مؤسساتنا الإعلامية؟
هل ما زلنا ندير مؤسسات إعلامية بعقلية المدير يعرف كل شيء والموظف ينفذ فقط، أم أننا انتقلنا فعلاً إلى مفهوم المؤسسة الحديثة التي تقاس فيها الكفاءة بالإنجاز وتوزع فيها المسؤوليات بوضوح وتحفظ فيها حقوق الموظف بالتوثيق والأنظمة والمعايير؟
المؤسسة الإعلامية المحترفة لا تنتظر نهاية الشهر لتكتشف من عمل ومن لم يعمل.
هناك خطة عمل ومهام واضحة واجتماعات تحرير وإدارة وتقارير دورية ومراسلات رسمية وتقييم أداء ومؤشرات إنجاز ومساءلة.
وإذا كان البريد الإلكتروني اليوم من أبسط أدوات العمل المؤسسي فلماذا لا يكون كل تكليف وتوجيه وإنجاز موثقًا؟ وليس حسب مزاج المدير أن ينهي عملك المهني أو تقييمك بمجرد قلم!
ليس بهدف مراقبة الموظف وإنما لحماية حق الموظف والمؤسسة معًا..
فالذي يعمل يجب أن يكون قادرًا على إثبات عمله، والذي لا يعمل يجب أن تكون هناك آلية واضحة لمساءلته… ومن يتعرض للتهميش أو الإقصاء يجب أن يجد نظامًا مؤسسيًا يستطيع من خلاله أن يتظلم ويطالب بحقه والعودة لمكان عمله!
أما أن يصبح مستقبل الموظف ومستواه المهني رهون مزاج مدير أو انطباع شخصي، فهذه ليست مؤسسية بأي مجهول حسب ما يقال!
هذه إدارة أفراد وليست إدارة مؤسسة….
عندما يغيب النظام… يصبح الشخص هو النظام.
المؤسسة القوية لا تقوم على شخص واحد….
لا تتوقف بتغير المدير ولا تتغير قواعدها بتغير المسؤول ولا يصبح موظف جيد فجأة غير كفؤ لأنه لم يعد يحظى برضا الإدارة.
المؤسسة الحقيقية لديها نظام يحمي الموظف والمدير معًا….
وإذا أردنا إعلامًا قويًا فعلينا أن نبدأ بإصلاح بيئة العمل الإعلامية نفسها.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار للتخطيط، والاستراتيجيات، والوصف الوظيفي، وتوزيع المهام، والاجتماعات المهنية، والتقييم المبني على الإنجاز والتدريب، والتطوير، وفتح المجال أمام الكفاءات حتى في ساعات الدوام لتغيير من إدارة لإدارة حسب مزاجها وأهوائها رغم العمل الإعلامي يقوم على الإنجاز وعمله يظهر للمشاهدين أو المستمعين؟؟
فالإعلام ليس مجرد كاميرا وميكروفون ومكتب….
الإعلام صناعة عقول…. يؤثر و يتأثر…
والمؤسسة التي لا تستثمر في عقول إعلامييها، ولا تستفيد من خبراتهم، ولا تمنحهم الفرصة، ستجد نفسها عاجزة عن إنتاج إعلام قادر على المنافسة والتأثير.
وهنا أصل إلى “الناطق الإعلامي”… وهي حكاية أخرى….
فالناطق الإعلامي ليس مجرد وظيفة إضافية في الهيكل التنظيمي، وليس شخصًا يحفظ البيانات ويقرأها أمام الكاميرا.
الناطق الإعلامي هو واجهة المؤسسة أمام الرأي العام.
ومن هنا يجب أن يكون السؤال الآتي:
كيف نختار من يتحدث باسم وزارة أو مؤسسة رسمية؟
هل يكفي أن يمتلك الشخص القدرة على الظهور أمام الكاميرا؟
أم أن الموقع يحتاج إلى خبرة صحفية وإعلامية حقيقية، وفهم للسياسات العامة، وقدرة على إدارة الأزمات، وإتقان لفن الحوار، ومعرفة بأسئلة الصحفيين، وشجاعة في التعامل مع الأسئلة الصعبة؟
والذكاء الاصطناعي؟
نعم، العالم يتغير… د
ونعم، الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أساسيًا من مستقبل الإعلام…. لاستخدامه لمصلحة العمل وليس ليَنوب عنك في العمل….
لكن علينا أن نفهم الفرق بين استخدام التكنولوجيا وتغييب الإنسان…. فيها الكارثة …. دول متقدمة لغت التعليم الإلكتروني وعادت لقاعات الدراسة ودول لغت العمل عن بعد لما عاد عليهم من كوارث على المجتمع صحيًا وعقليًا … ونحن بدأنا من حيث ابتدأوا بعقود من عقود مضت … ألا نتعلم من تجاربهم…
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الناطق والصحفي في جمع المعلومات وتحليلها وصياغتها، لكنه لا يستطيع أن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الإجابة أمام المواطن.
الشعب لا يريد آلة تلقنه. يريد عقلًا يحاوره.
أنا مع تمكين الشباب، ومع إعطائهم الفرص، لكن هناك مواقع لا يكفي فيها الحماس وحده.
الناطق الإعلامي يحتاج إلى تراكم مهني وخبرة حقيقية، لأنه في لحظة الأزمة قد يكون صوته هو الصورة التي يراها المواطن عن مؤسسته ودولته.
فالناطق الإعلامي لا يجب أن يكون سائرًا يجب الوزن عن الناس.
إذا كان الوزير هو المسؤول السياسي والتنفيذي عن وزارته فإن حضوره في القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام يجب أن يكون واضحًا.
أما الناطق الإعلامي فوظيفته أن يدعم الاتصال، ويشرح، ويجيب، ويتفاعل، وينقل الصورة بدقة، وليس أن يصبح بديلًا عن المسؤول السياسي.
الشعب لا يريد آلة تلقنه. يريد عقلًا يحاوره.
يريد من يسمع السؤال ويفهم خلفيته، ويعرف متى يجيب، ومتى يقول “سأتحقق”، ومتى يعترف بأن هناك مشكلة، ومتى يقدم معلومة واضحة بدلًا من لغة البيانات الجامدة.
لأن قيمة الناطق الإعلامي ليست في صوته فقط…
قيمته في عقله، وخبرته، ومصداقيته، وقدرته على التواصل.
وفي النهاية، القضية ليست قضية شخص بعينه، ولا وزارة بعينها.
إنها دعوة لإعادة بناء مفهوم المؤسسة الإعلامية من الداخل.
نريد مؤسسة لا يخاف فيها الموظف من المطالبة بحقه.
نريد مديرًا يحاسب على الإدارة كما يُحاسب الموظف على العمل.
نريد تقييمًا بالإنجاز لا بالانطباع.
نريد خبرة تحترم، وشبابًا يُمكَّنون.
نريد ناطقًا إعلاميًا يعرف كيف يتحدث إلى الناس، ووزيرًا لا تختفي مسؤوليته خلف الناطق.
ونريد تكنولوجيا تخدم الإعلام… لا إنسانًا يختفي خلف التكنولوجيا.
فالإعلام القوي لا يبدأ من أمام الكاميرا…
الإعلام القوي يبدأ من مؤسسة عادلة، مهنية، تعرف ماذا تريد، ومن تريد، ولماذا.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا:
اين المؤسسة في مؤسساتنا إلاعلامية ؟





