مديرة التربية والتعليم للواء الأغوار الشمالية الدكتورة بسمة عزبي فريحات تكتب
يشهد قطاع التعليم اليوم تحولات متسارعة تفرض إعادة النظر في أدواته وأساليبه، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي الذي بات عنصرًا فاعلًا في تطوير العملية التعلمية، من خلال إدخال مفاهيم الأنظمة الذكية في تحليل بيانات الطلبة وتقديم محتوى تعليمي متخصص يسهم في رفع جودة التعليم ومواكبة متطلبات العصر الرقمي.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبح واقعًا عمليًا ينعكس أثره بشكل مباشر على بيئات التعلم. إذ يعتمد في المجال التعليمي على تحليل كمٍّ هائل من البيانات المرتبطة بأداء الطلبة، مثل أنماط التعلم، ومستويات الفهم، وسرعة الاستيعاب، ونقاط القوة والضعف. ومن خلال هذه التحليلات، أصبح بالإمكان تقديم محتوى تعليمي مُكيّف وفق احتياجات كل طالب، بدلًا من الاكتفاء بنموذج تعليمي موحّد لا يراعي الفروق الفردية، الأمر الذي أسهم في تحسين نواتج التعلم ورفع مستوى التحصيل الأكاديمي.
كما أسهم الذكاء الاصطناعي في دعم دور المعلم من خلال توفير أدوات تعليمية ذكية تساعده على متابعة أداء الطلبة بشكل مستمر، وإجراء عمليات التقييم بدقة وكفاءة، وتقديم تقارير تحليلية دقيقة تسهم في اتخاذ قرارات تربوية مبنية على بيانات موضوعية. وبهذا التطور، لم يعد دور المعلم مقتصرًا على نقل المعرفة، بل أصبح موجّهًا وميسرًا للعملية التعليمية، وقادرًا على توظيف التقنيات الحديثة بما يخدم أهداف التعليم ويعزز من كفاءته المهنية.
ومن أبرز ما يقدمه الذكاء الاصطناعي في التعليم قدرته على إيجاد بيئات تعلم تفاعلية تعتمد على المحاكاة، والتعلم التكيفي، والمحتوى الرقمي الذكي، الأمر الذي يسهم في تنمية مهارات التفكير الناقد، وحل المشكلات، والتعلم الذاتي لدى الطلبة، وهي مهارات أساسية لإعداد جيل قادر على التعامل مع التغيرات المتسارعة في المجتمع وسوق العمل.
ورغم ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من فرص واعدة، فإن توظيفه الناجح في العملية التعليمية يتطلب إعدادًا مناسبًا للمعلمين، وتزويدهم بالمهارات الرقمية اللازمة، إلى جانب وضع أطر تشريعية وأخلاقية تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات، وتحافظ على خصوصية بيانات الطلبة، وتحقق العدالة في الوصول إلى التعليم.
وفي الختام، يمكن التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يشكّل ركيزة أساسية في تطوير التعليم وتحسين جودته، إذا ما أُحسن توظيفه ضمن رؤية تربوية متوازنة تضع الإنسان في جوهر العملية التعليمية. فهو ليس بديلًا عن المعلم، بل أداة داعمة تعزز دوره وتسهم في بناء منظومة تعليمية أكثر كفاءة ومرونة واستدامة.












