اقتراح مبتكر لإصلاح قانون الضمان الاجتماعي دون تمديد سن التقاعد
لنبحث عن حلول ابتكارية تحافظ على استدامة الضمان قبل التفكير في رفع سن التقاعد.
أقترح أن نفتح حواراً وطنياً حول حزمة إجراءات متكاملة بديلة، منها:
(1) الجانب التأميني
1. إقتراح مشاركة طوعية ملزمة اجتماعياً: دعوة أصحاب الرواتب التقاعدية العالية إلى المساهمة طوعياً (أو بحوافز ضريبية/اجتماعية) بما لا يقل عن 20% من الراتب التقاعدي لمن تزيد رواتبهم عن 3,000 دينار، مع امتيازات محددة للمساهمين (شهادات شكر، إعفاءات ضريبية جزئية).
2. إضافة معاملي منفعة جديدين (حاليا 2.5% لأول 1500 دينار و 2% لما بعد ذلك): يتم إضافة «معامل منفعة» إضافي على الأجور المشمولة التي تتجاوز 3,000 دينار لغاية (4000) دينارا ، وكذلك زيادة الإشتراكات عل هذه الشريحة(1.5% معامل منفعة على هذه الشريحة من الأجر + 1.5% اشتراك إضافي) وإضافة عامل منفعة للأجور التي تتجاوز (4000) دينارا ( 1.2%)، مع زيادة الإشتراكات الشهرية عل هذه الشريحة لتصبح (1.25%) عل صاحب العمل و(75.%) يتحملها المؤمن عليه ، لتمويل الفجوة دون المساس بالقاعدة الأساسية.
3. فيما يتعلق بشروط راتب الوجوبي للجدد يكون (20) سنة اشتراك مع إكمال سن (62) عاما.
4. فيما يتعلق بشروط راتب التقاعد المبكر للجدد يكون (30) عاما لذكور (25) عاما للإناث شريطة أكمال (52) عاما ويبدأ التخفيض بنسبة (14%) للذكور والإناث.
5. بالنسبة للمهن الخطرة للجدد يكون (25) عاما للذكور و(20) للإناث مع خدمة لاتقل عن (23) للذكور و(18) للإناث ويبدأ التخفيض بنسبة (14%)
يزاد إشتراكات هذه الشريحة (1.5%) يتحمل صاحب العمل 1% منها.
6. ضبط آلية الحساب: احتساب راتب تقاعد الشيخوخة على متوسط آخر 60 اشتراكاً (وللمبكر 96 اشتراكاً) فقط للشريحة التي يتجاوز متوسطها 2,000 دينار، مع آليات انتقالية تحمي المؤمن عليهم الحاليين من صدمة مفاجئة.
على أن تصبح لية الإحتساب للمشتركين الجدد متوسط الأجر في خر 72 شهر لراتب الوجوبي و(120) شهر للمبكر.
7. تعديل معادلة إحتساب راتب الإعتلال الطبيعي الكلي بزيادة معامل جديد ( حاليا متوسط الأجر (36 اشتراك مضروبا ب 50% لاول 1500 دينار و30% لما بعد ذلك) التعديل أن يصبح 30% لما يزيد عن 1500 وحتى 3000 دينار ويكون المعامل 20% لمايزيد عن 3000 دينار 15%. ويتم تعديل معادلة إحتساب راتب العجز الطبيعي الجزئي في ضوء ذلك.
أما الجدد فيكون متوسط الأجر لخر 60 إشتراكا.
8. استثمار العائدات ومراجعة الشركات المملوكة: إعادة توجيه نصيب أكبر من عوائد عضويات مجالس إدارة الشركات المملوكة للمؤسسة إلى ميزانية الضمان، وزيادة الشفافية في توزيعات الأرباح .
9. تقديم حلول مبتكرة تمويلية: برامج «التكافل التطوعي» للمتقاعدين ذوي الدخل المرتفع، سندات اجتماعية قصيرة الأجل موجهة للمستثمرين الوطنيين، وصناديق استثمار ميسرة للشباب لرفع العوائد بعقلانية.
10. إضافة مواد للقانون تسري عل المشتركين الجدد ومنها:
أ . تصاعدية الإشتراكات : بحيث تبقى نسبة الإقتطاع الحالية لأول 1000 دينار ثم تزاد 1% على المشترك وصاحب العمل لغاية 2000 بعدها تزيد لتصبح 1% اضافي على صاحب العمل ونصف بالمئه عل العامل ، وبعد 3000 دينار تكون الإقتطاعات على الزيادة 2.5% ، و3% على الأجر الذي يزيد عن 4000 دينارعلى الطرفين وهكذا تكون الإقتطاعات تصاعديه عل المبلغ الجديد وليس كل الأجر.
ب. تعديل معادلة إحتساب راتب العجز الإصابي الكلي والوفاة الإصابية حاليا (75%) من الأجر الآخير، لتصبح 75% لغاية (1500) دينار، (60%) لمايزيد عن 1500 لغاية 3000 دينارا، و(50%) لغاية 4000 دينارا و(40%) لمايزيد عن ذلك.
ج. تعديل علاوة الإعانة لرواتب العجز الكلي الطبيعي والإصابي للراتب التقاعدي الذي يتجاوز 1500 دينار لتصبح 15% .
ج.إعادة هيكلة علاوة العائلة والزيادة العامة بتخفيضها للرواتب التي تزيد عن 1000 دينار.
د. حصر نفقات الجنازة لورثة المتوفي الذي لايتجاوز راتبه التقاعدي 1000 دينارا.
ه. زيادة إشتراك الأمومة ليصبح (1%) تمهيدا لزيادة إجازة الأمومة لتصبح 90 يوما.
و. رفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية ليصبح 220دينارا.
(2) حوكمة الضمان الإجتماعي
لنواجه الواقع بوضوح لا يقبل التأويل: إن أزمة الضمان الاجتماعي في الأردن ليست نتاجاً حصرياً لتغيرات ديموغرافية، فليست زيادة متوسط الأعمار أو سن التقاعد عند الستين هي المسببات الجذرية. بل إن جوهر الأزمة يكمن في صميم الإدارة، في غياب المساءلة الفاعلة، وفي تضخم القرار الإداري على حساب الرؤية الاستثمارية المهنية
إن أموال الضمان ليست حقلاً للتجارب، ولا هي ذراع مالي للحكومة. إنها أكبر كتلة ادخارية اجتماعية في الدولة، تمثل أماناً ومستقبلاً لملايين المشتركين. وأي قصور في استثمارها لا يمكن تداركه بقرار تشريعي، بل يمتد أثره ليطال أجيالاً بأكملها.
فإذا كانت العوائد الاستثمارية دون المستوى المأمول، فالسؤال الجوهري ليس: كيف نرفع سن التقاعد؟ بل لماذا لم تتحقق العوائد المستهدفة؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التقصير؟ إن المساءلة هنا ليست خياراً أخلاقياً، بل هي التزام قانوني ومهني لا يمكن التغاضي عنه.
لا يستقيم أن يُطلب من العامل بذل خمس سنوات إضافية من عمره، بينما لا يُطلب من صاحب القرار الخضوع لمؤشرات أداء معلنة ومحاسبة شفافة.إن سن التقاعد ليس مجرد رقم تقني، بل هو ركيزة للاستقرار الاجتماعي. والمساس به دون استنفاد كافة أدوات الحوكمة يعني نقل عبء الإدارة من المسؤولين إلى المجتمع.
أموال الضمان ليست صندوقاً حكومياً مُتاحاً للتجارب السياسية. إنها مدخراتٍ وطنية يجب أن تُدار بمهنية تامة. لذلك، أي نقاش عن تعديلات تأمينية أو عن سن التقاعد يجب أن يسبقه إصلاح هيكلي لا تفاوض عليه، ويتضمن:
أولا: حوكمة مجلس إدارة المؤسسة ضمن ضوابط واضحة في تشكيله وعمله لضمان إستقلالية القرار المهني وربط السلطة بالمسؤولية؛ وعل النحو التالي:
أولا: إعادة هيكلة مجلس الإدارة بآليات انتخاب وتعيين واضحة
– يتشكل المجلس من (15) عضوا يمثلون بالتساوي الحكومة، ألعمال، أصحاب العمل ، على أن يكون هناك معايير معتمدة مسبقا لشروط العضوية من حيث الكفاءة والحياد، ويتم تحديد مكافأتهم الشهرية بما لايتجاوز (700) دينارا لاغير.
– انتخاب رئيس المجلس داخلياً بأغلبية أعضاء المجلس، ثم عرضه على الحكومة للاعتماد والتعيين بمسمى «محافظ» برتبة وزير ــ مدة 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وبراتب معلن. هذا الترتيب يجمع بين شرعية المجلس ومسؤولية الحكومة.
– تشكيل لجان متخصصة ونِسب مستقلة: لجنة استثمار يرأسها مستقل ذي خبرة اكتوارية، ولجنة تدقيق مالي تمتلك أغلبيتها مستقلين، ولجنة حوكمة تضطلع بمراجعة تضارب المصالح.
– تبسيط إجراءات المؤسسة وخفض النفقات الإدارية: هيكلة تقلص حجم الإدارة مع الاحتفاظ بمبنى إدارة رئيسي وتأجير المكاتب الفائضة، والسعي لتخفيض النفقات الإدارية بنسبة 50% عل الاقل.
ثانياً: دمج صندوق الاستثمار داخل المؤسسة ؛ لماذا وكيف؟
فصل الأدوار بين “الوصي” و”المدير” مطلوب، لكن فصل الأصول عن الحوكمة الأساسية للمؤسسة يفتح ثغرات تضارب مصالح. وعليه يتم دمج صندوق الاستثمار ضمن هيكل المؤسسة مع فصل وظيفي صارم: يتضمن (أ) مجلس مستقل للاستراتيجية الاستثمارية يصدر السياسة الاستثمارية ويفرض حدوداً للمخاطر؛ (ب) وحدة إدارة استثمار مؤسسية محترفة تدير الأصول يومياً ، مع إمكانية تفويض أجزاء من الإدارة لمديرين ماليين خارجيين عبر عقود خاضعة لمناقصات شفافة، وحظر المعاملات مع الأطراف ذات الصلة إلا بموافقة لجنة مستقلة وإفصاح علني.
عل أن يتم دمج الوحدات المساندة والداعمة ضمن مثيلاتها في المؤسسة، وإعادة النظر بالرواتب بما يمثاثل البنك المركزي.
ثالثا: تطبيق شفافية ومساءلة قابلة للقياس؛ تتضمن:
– لوحة معلومات إلكترونية عامة (dashboard) تعرض التوزيع الأصولي، العوائد الصافية، الرسوم، ومؤشرات الأداء.
– نشر تقرير اكتواري مبسّط للرأي العام وسيناريوهات تمويلية حتى 2050 قبل أي تعديل تشريعي.
– ربط مكافآت ومزايا أعضاء الإدارة وقيادات الاستثمار بـKPIs منشورة.
رابعا: تطبيق آليات حماية قبل أي تعديل تأميني، ومن ذلك:
– تدقيق استثماري مستقل مُعلن عن نتائج آخر 10 سنوات.
– آلية انتقالية تحمي حقوق المشتركين الحاليين (لا أثر رجعي).
– سقف قانوني مؤقت للمصاريف الإدارية وإجراءات لخفضها (تأجير مبانٍ غير مستخدمة، دمج وحدات …الخ).
خامسا: تطبيق إجراءات تنظيمية إضافية لتعزيز الثقة، ومن ذلك:
– تشريع يجرّم تضارب المصالح ويضع عقوبات إدارية ومالية.
– حماية قانونية للمبلغين (whistleblowers) عن سوء إدارة أو تلاعب.
– نشر نتائج المناقصات والاتفاقيات الاستثمارية كاملة.
– لجنة رقابة اكتوارية مستقلة تقدم تقاريرها دورياً للبرلمان والرأي العام.
سادسا: تطبيق سلسلة إجراءات قبل أي تعديلات تأمينية: قبل طرح أي تغييرات على قانون الضمان أو معاملات المنفعة أو سن التقاعد يجب تنفيذ حزمة إصلاحية سابقة تحمي الحقوق وتؤسس للعدالة:
أولاً: تدقيق استثماري مستقل وشفاف، يُنشر للعلن، بهدف تحقيق الشفافية المطلقة وتقييم الأداء الفعلي لأموال الضمان.
ثانياً: ربط عضوية مجلس الإدارة بمؤشرات أداء محددة وقابلة للقياس، لإنهاء مفهوم العضويات القائمة على المكافآت وربطها بالنتائج الملموسة.
ثالثاً: وضع سقف ملزم للمصاريف الإدارية، لضبط الإنفاق وضمان كفاءة التشغيل.
رابعاً: إقرار تعديل تشريعي يجرّم تضارب المصالح في إدارة أموال الضمان، لحماية أموال المشتركين من أي استغلال أو تلاعب.
خامساً: تشكيل لجنة رقابة برلمانية متخصصة ودائمة لأموال الضمان، لضمان استمرارية الرقابة والمساءلة على أعلى المستويات.
بعد استيفاء هذه المتطلبات، يمكننا حينها فتح نقاش مسؤول حول أي تعديل آخر قد يمس حقوق الأجيال. فليس من المقبول أن يبدأ الإصلاح من جيب العامل قبل إصلاح بيئة القرار. وليس من المقبول أن تدار أموال الأجيال بمنطق إداري تقليدي بينما يُطلب من الناس تضحيات غير تقليدية.
الضمان هو عقد ثقة بين الدولة وأجيالها؛ وليس بنداً مالياً في جدول حسابات. وإذا اهتزت هذه الثقة، فلن تعيدها زيادة في سنوات العمل ولا ارتفاع في الاشتراكات. ما يعيدها هو الحوكمة الصارمة، والمساءلة العلنية، وتحمل المسؤولية بلا مواربة. وقبل أن يُطلب من أي أردني أن يعمل سنوات إضافية، فلنسأل أولاً: هل أُديرت أمواله بأفضل ما يمكن؟ إما أن نصلح الإدارة… أو سنظل نرحّل الأزمة من جيل إلى جيل، وندفع الثمن غالياً من مستقبل الوطن.












