من جمال محافظة عجلون عندما تكون من محافظة إربد وتتحدث بين اهلها وناسها ويستقبلوك بقلب دافئ
والاجمل عندما نتحدث عن امهات أردنيات صانعات المجد فقد جاءت مداخلتي ضمن الندوة الحوارية بعنوان “الأمهات صانعات المجد” على النحو التالي
مداخلة: الأمهات صانعات المجد….المرأة الأردنية في الذاكرة الوطنية
د. زهور غرايبة
أود في هذه المداخلة أن أؤكد فكرة بسيطة لكنها مهمة، وهي أن الحديث عن دور المرأة الأردنية في الحياة العامة لا يجب أن يبدأ فقط من اللحظة السياسية الحديثة، بل من التاريخ الاجتماعي العميق للمجتمع الأردني.
فالمرأة في هذه الأرض لم تكن يوماً بعيدة عن مجريات الأحداث، كانت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية وفي لحظات التحول الكبرى أيضاً. فالتاريخ الأردني لا يروي فقط قصص الفرسان والقادة والمعارك، بل يروي أيضاً قصص نساء كان لهن دور أساسي في حماية المجتمع والحفاظ على قيمه.
ولأننا اليوم نجتمع في محافظة عجلون، فمن الجميل أن نتذكر أن هذه الأرض كانت أيضاً جزءاً من هذا التاريخ. فمن بلدة باعون في عجلون برزت العالمة والأديبة عائشة الباعونية في القرن الخامس عشر، التي عُرفت بعلمها وأدبها وبلغ تأثيرها دمشق والقاهرة، في دلالة على أن المرأة في هذه الأرض كانت حاضرة في ميادين الفكر والمعرفة منذ قرون.
وعندما ننتقل إلى التاريخ الاجتماعي والسياسي للأردن في العهد العثماني، نجد نماذج نسائية لافتة في الدفاع عن الكرامة والعدالة. فقد برزت خضرة المدادحة في الكرك عام 1828 عندما رفضت تسخير نساء الكرك لخدمة الحامية العثمانية، وكان موقفها بداية لتحرك المجتمع ضد هذا الظلم.
كما نتذكر عليا الضمور التي عبّرت عن موقف تاريخي عندما قالت عبارتها الشهيرة: النار ولا العار، دفاعاً عن قيم الوفاء والكرامة، وهي قيم كانت النساء جزءاً أساسياً في حمايتها وترسيخها.
ومن القصص اللافتة أيضاً قصة موزة العبيدات التي عُرفت بحكمتها وقوتها، وقادت قافلة الحج بعد وفاة زوجها أمير الحج، وأدارت القافلة بحنكة حتى وصلت بسلام، في مثال واضح على قدرة المرأة على القيادة في ظروف صعبة.
ولم يقتصر دور النساء على هذه المواقف الفردية، بل امتد أيضاً إلى لحظات النضال الوطني. ففي ثورة الكرك “الهية” برز دور نساء مثل مشخص وبندر وشفق المجالي اللواتي شاركن في دعم الثوار وجمع الأموال وشراء السلاح.
كما نقرأ في تاريخ الثورة العربية الكبرى عن نساء النعيمات اللواتي بعن ذهبهن لشراء مدفع لدعم فرسان الثورة، وهو موقف يعكس حجم التضحية التي قدمتها النساء في سبيل قضايا مجتمعهن.
وفي معركة حد الدقيق في الطفيلة عام 1918 شاركت نساء الطفيلة في دعم المقاتلين، ونقل المؤن والسلاح، وإسعاف الجرحى، واستشهدت بعضهن خلال المواجهات، في مشهد يعكس حضور المرأة حتى في لحظات المواجهة المباشرة.
لكن ربما أكثر ما يختصر معنى التضحية هو صورة أم الشهيد الأردني في زمننا المعاصر. فعندما قال الملازم أول خضر شكري يعقوب عبارته التي بقيت في ذاكرة الأردنيين “اضرب الهدف… موقعي” وهو يعلم أن ذلك يعني استشهاده، لم يكن ذلك مجرد موقف عسكري في لحظة معركة، بل كان ثمرة تربية طويلة صنعتها أمّ ربّته على الشجاعة والكرامة وحب الوطن.
تلك الأم التي تستقبل خبر استشهاد ابنها بقلب مكسور لكنه مملوء بالفخر، هي امتداد لكل الأمهات اللواتي وقفن في تاريخ الأردن إلى جانب رجالهن في لحظات المصير. فهي تعيش مزيجاً صعباً من الألم والاعتزاز، من الحزن على الفقد، والفخر بأن ابنها كان جزءاً من حماية هذا الوطن.
ولهذا عندما نتحدث اليوم عن مشاركة المرأة الأردنية في الحياة العامة، فإننا في الحقيقة نتحدث عن امتداد لمسار تاريخي طويل، بدأت ملامحه منذ قرون، وكانت الأمهات فيه دائماً جزءاً من صناعة الإنسان الأردني.
وفي النهاية يمكننا القول إن تاريخ الأردن لم يُكتب فقط بسواعد الرجال، بل شاركت في كتابته أيضاً نساء كثيرات، ولهذا فإن الأمهات الأردنيات كنّ دائماً صانعات للمجد، وشريكات في صناعة تاريخ هذا الوطن.
وجاءت هذه الندوة تحت رعاية معالي عاطف العضيبات الوزير الأسبق ورئيس الهيئة الاستشارية والتوجيهية العليا لجمعية البيئة الأردنية والتي نظمها منتدى الأسرة الثقافي بالتعاون مع مديرية ثقافة عجلون وجمعية البيئة الأردنية ومنتدى جماعة رايات الإبداعية وجمعية نساء من اجل العطاء الخيرية في قاعة مركز عجلون الثقافي.
وكل الشكر والتقدير للاخ العزيز الصحفي علي عزبي فريحات عضو مجلس نقابة الصحفيين الأردنيين لهذه الدعوة الكريمة












