إنجاز-العقبة-نوف الور
بين عَجاج نشارة الخشب وصوت الأوتار المضبوطة على إيقاع البحر، يولد لحن يروي حكاية مدينة بأكملها. في مشغلٍ صغير بمدينة العقبة، يصنع الثلاثيني محمود البنا السمسمية، وقد أمضى قرابة عشرين عامًا في هذه الحرفة، ليس كآلة موسيقية فحسب، بل كذاكرة حيّة لتراث العقبة، ليغدو الصانع الوحيد لصوتٍ ارتبط بأغاني البحارة وذاكرة الموانئ، وحكاية امتدت من مقاعد المدرسة إلى مهنة العمر.
بدأت رحلة محمود مع السمسمية حين طُلب منه في المدرسة تنفيذ مشروع يبرز التراث المحلي فكر طويلًا فيما يمثّل العقبة، فوقع اختياره على السمسمية، تلك الآلة الوترية المرتبطة بأغاني البحارة وصيادي المدينة، صنع مجسّمًا صغيرًا آنذاك، دون أن يدرك أن تلك الخطوة البسيطة ستتحول إلى مسار مهني وهوية شخصية ترافقه لسنوات طويلة.
لاحقًا، اتجه إلى تعلّم مهنة النجارة، وخضع لتدريب مهني صقل مهاراته في التعامل مع الخشب، وأتقن تقنيات القصّ والتنعيم والتشكيل، حتى أصبح قادرًا على صناعة السمسمية كاملةً بيديه، محافظًا على تفاصيلها التراثية ودقة صوتها. ومع كل قطعة يصنعها، يضع ختم اسمه “محمود البنا” عليها، لتصبح علامة جودة تعكس الحرفة والإتقان وتحمل بصمته الخاصة.
وتُعد السمسمية من الآلات الوترية الشعبية التي عُرفت في مدن البحر الأحمر، وارتبطت بأغاني البحارة والمناسبات والأعراس والسمرات البحرية.
وفي العقبة، شكّلت جزءًا من الهوية الثقافية للمدينة، غير أن تراجع عدد الحرفيين القادرين على صناعتها جعل استمرارها تحديًا حقيقيًا، حتى بات محمود البنا الاسم الأبرز، الذي يواصل هذه المهنة بيديه في المدينة.
ولم تبقَ سمسميات البنا حبيسة السوق المحلي فقد بدأت تشق طريقها إلى دول شقيقة، حاملةً ختمه، وسفيرةً صغيرة للتراث العقباوي خارج الحدود.
ويؤكد البنا أن السمسمية جزء من حياته وقطعة من شخصيته، ويتمنى أن تبقى هذه الحرفة مستمرة ومتجددة، فبالنسبة له، كل سمسمية يصنعها هي حكاية مدينة كاملة، ونبض تراث متجذر.











