عماد عبدالرحمن يكتب
في ظل التطورات الدراماتيكية بالمنطقة، ينتهج الأردن نموذج “التوازن الوقائي”، لدرء أي مخاطر أمنية أو ديموغرافية، قد تنتج عن تدهور الأوضاع ووقوع حرب شاملة واسعة في المنطقة، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث تركز الدبلوماسية الأردنية وعلى أعلى المستويات؛ على دعم المسار الدبلوماسي، والتحذير من التصعيد، والعمل على منع انتقال الأزمات الإقليمية للداخل العربي.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي، يدرك أن المرحلة المقبلة لن تُحسم بانتصار طرف على آخر، بل بمدى قدرة القوى الدولية والإقليمية على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة لا يملك أحد تصورا واضحا لنهايتها، وتجنب اي تصريحات من شأنها إثارة شعوب المنطقة وحكوماتها، خصوصا ما قيل على لسان السفير الأمريكي في إسرائيل، بخصوص توسع إسرائيل على حساب دول الجوار.
أحد أبرز التأثيرات على الساحة الأردنية في حال نشوب حرب طويلة، التطورات المحتملة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، ولطالما كان هذا العامل الأكثر حساسية بالنسبة للأردن، خصوصا وأن النقاش الإسرائيلي الداخلي يكشف غياب رؤية واضحة لليوم التالي في غزة، مقابل استمرار سياسات ميدانية في الضفة الغربية تعمّق الضغوط الاقتصادية والعمرانية والمعيشية على الفلسطينيين.
الرؤية الأردنية، ترى أيضا أنه لا يمكن فصل الاستقرار الإقليمي عن المسار السياسي الفلسطيني. فكلما تراجعت فرص الحل السياسي وازداد الواقع الميداني تعقيدًا، ازدادت احتمالات الانفجار الأمني والاجتماعي، وهو ما ينعكس مباشرة على البيئة الإقليمية المحيطة بالمملكة.
ولهذا بقي الموقف الأردني ثابتا في التأكيد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر إدارة الصراع فقط، بل عبر تسوية سياسية تفتح أفقا واقعيا للحل.
من منظور آخر، يظهر الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي في الأيام الأخيرة أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة حساسة تتجاوز حدود التصعيد العسكري التقليدي، نحو إعادة تشكيل توازنات إقليمية قد تمس مباشرة منظومة الاستقرار في المنطقة، وهو ما يفرض قراءة مختلفة من زاوية أردنية تقوم أساسا على مفهوم إدارة المخاطر لا الانخراط في الاستقطابات.
فالمشهد الذي ترسمه التحليلات الإسرائيلية يجمع بين ثلاثة مسارات متزامنة: تصعيد عسكري محسوب في لبنان، احتمال مواجهة مع إيران، وتصعيد ممنهج في غزة والضفة الغربية. وهذه المسارات، رغم تباعد جغرافيتها، تتقاطع جميعًا عند نقطة واحدة تمثل مصدر القلق الأساسي بالنسبة للأردن، وبالتالي احتمال توسع الفوضى الإقليمية دون وجود أفق سياسي واضح.
القراءة العميقة للصحف الإسرائيلية، تخلص أيضا الى مفارقة لافتة: استعداد عسكري مرتفع يقابله ارتباك سياسي داخلي بشأن الأهداف النهائية. فالنقاش داخل إسرائيل لم يعد يقتصر على كيفية خوض الحرب، بل على غياب استراتيجية لما بعدها، سواء في غزة أو في العلاقة مع إيران أو حتى في إدارة الساحة الفلسطينية.
هذه المفارقة تعزز الرؤية الأردنية القائمة على أن الاستقرار لا يُبنى بالقوة العسكرية، بل بوجود إطار سياسي إقليمي قادر على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
ما تكشفه القراءة الأولية للصحف الإسرائيلية ليس اقتراب الحرب فقط، بل اتساع حالة عدم اليقين الاستراتيجي في المنطقة. ومن هنا تبرز أهمية المقاربة الأردنية التي ترى أن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس الصراع بحد ذاته، بل غياب الرؤية السياسية التي تنهيه.
وبينما تقرع طبول الحرب في أكثر من ساحة، يبقى الرهان الحقيقي، من منظور أردني على إبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، لأن البديل ليس إعادة رسم موازين القوى فحسب، بل إعادة تشكيل المنطقة كلها على وقع فوضى قد تمتد لسنوات طويلة، وهو ما حصل في نماذج مشابهة ما زالت شاهدة على الفوضى التي خلفتها بالمنطقة.












