إنجاز-في مدينة السلط، حيث للتاريخ وزنه، وللناس كلمتهم، لا تُقاس المسؤوليات بالمناصب بل بما تتركه من أثر في حياة الناس. ومن بين التجارب البلدية التي لا يمكن تجاوزها، تبرز تجربة المهندس محمد عبد الكريم الحياري، رئيس بلدية السلط الكبرى السابق، بوصفها نموذجًا للعمل البلدي القائم على الشراكة مع المجتمع لا على الإدارة من خلف المكاتب.
لم يكن الحياري رئيس بلدية تقليديًا، بل رجل ميدان، آمن منذ اللحظة الأولى أن البلدية ليست مؤسسة جباية أو رقابة فقط، بل رافعة تنموية حقيقية إذا أُحسن توظيفها. فعمل على تحويل البلدية إلى مساحة دعم وتسهيل، لا عائق وتعقيد.
وقد انعكس ذلك بوضوح على ملف الشباب والمشاريع الصغيرة، حيث فلا تكاد تسأل أي شاب من أصحاب المشاريع داخل مدينة السلط، إلا وتسمع الجواب ذاته:
“أبو العبد ما قصّر… كان سندًا وداعمًا، لا رئيس بلدية خلف مكتب.”
وهي شهادة حيّة تعبّر عن فلسفة إدارية قوامها القرب من الناس لا التعالي عليهم.
وفي الجانب الإداري، شهدت البلدية في عهده محاولات جادة لتبسيط الإجراءات وتحديث آليات العمل، عبر الأرشفة الإلكترونية وتطوير مسار المعاملات، بما أسهم في تخفيف الضغط على المواطنين ورفع كفاءة الأداء المؤسسي. كما أولى اهتمامًا لبيئة العمل داخل البلدية، مؤمنًا أن الموظف المطمئن هو أساس الخدمة الجيدة.
أما السلط كمدينة، فلم تكن في نظره مجرد نطاق جغرافي، بل هوية ورسالة، لذلك حرص على تعزيز حضورها كمدينة تراث عالمي، وعلى تمثيلها بصورة تليق بتاريخها ومكانتها في الوجدان الأردني، جامعًا بين متطلبات الحداثة واحترام الخصوصية التاريخية.
تميّزت تجربة الحياري كذلك بانفتاحه على المجتمع المحلي، وحرصه على التشاور مع الفعاليات الشبابية والثقافية والاقتصادية، واضعًا مصلحة المدينة فوق أي حسابات ضيقة، وهو ما منح تجربته قبولًا واسعًا لدى شرائح مختلفة من أبناء السلط.
ومع انتهاء المرحلة الإدارية إثر حلّ المجالس البلدية، فإن تجربة محمد الحياري لا تُقرأ كنهاية، بل كمسار عمل ترك أثره في ثقافة الأداء البلدي، وفي نظرة المواطن لدور رئيس البلدية الحقيقي، بوصفه خادمًا للمدينة لا متسلطًا عليها.
لقد أثبتت هذه التجربة أن العمل البلدي ليس وظيفة روتينية، بل فعل وطني يومي، وأن رئاسة البلدية يمكن أن تكون منصة إصلاح حقيقي حين تتوافر الإرادة، والنزاهة، والشعور العميق بالمسؤولية.
ختامًا، تبقى السلط وفية لأبنائها الذين خدموها بإخلاص، ويبقى اسم محمد عبد الكريم الحياري حاضرًا في ذاكرة المدينة بوصفه واحدًا من أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة عمل جادة تُذكر ويُبنى عليها.
بقلم: ليث أبو حمور












