خونة المجالس
بقلم: أ. د. نضال الشريفين
ليست خيانة المجالس زلّة لسان، بل سقوط أخلاقي مكتمل الأركان. فالمجلس عقدٌ غير مكتوب، تُحفظ فيه الأسرار كما تُحفظ الكرامات، ومن يدخله يخلع لسان الوشاية قبل أن يجلس. لكن بعض المثقفين – تجّار الفتنة بامتياز – لا يدخلون المجالس إلا ليغادروها محمّلين بالسموم، ينقلون الأخبار، ويحرّفون الوقائع، ويغذّونها بنوايا مغرضة، ثم يطلقونها في الفضاء العام كأنها حقائق.
هؤلاء لا يكتفون بالنقل، بل يمارسون التزييف. يقتطعون من الكلام ما يخدم أهواءهم، ويضيفون ما لم يُقل، ويضخّمون ما كان عابرًا، فيتحوّل الحديث الهادئ إلى اتهام، والرأي إلى مؤامرة. إنهم كهنة التزييف، يقدّمون رواياتهم المشوّهة في أثواب الحقيقة، ويمنحون الأكاذيب شرعية زائفة باسم الثقافة والحرص والغيرة المزيّفة.
وما إن تصل هذه الروايات المسمومة إلى آذان متحفّزة، حتى تشتعل الفتن، وتُستدعى الخصومات، ويُستنهض القانون – لا طلبًا للعدل- بل استثمارًا لمرونته. والقانون، وإن كان ميزانًا، إلا أنه قد يُحمَل على غير مقصده حين تُمسكه أيادٍ ماهرة في الالتفاف. محامون يعرفون الثغرات، وملفات تُبنى على أنصاف حقائق، وأحكام قد تُنتزع لا لأنها عادلة، بل لأنها مُحكمة الصياغة.
والأدهى من ذلك، مشهد الشفقة المتأخرة. ترى صانعي الفتنة وقد لبسوا ثوب الأسى، يبدون متأثرين، يذرفون كلماتٍ رخوة على ضحايا هم من صنعوهم. وعّاظ الوشاية يتظاهرون بالحزن على نتائج كانوا وقودها، ويتباكون على ظلمٍ مهّدوا له بخيانة مجلس وكلمة مسمومة. أي نفاقٍ هذا؟ وأي ثقافةٍ تُنسب لمن باع الأمانة ثم تباكى على ثمنها؟
إن خيانة المجالس ليست سلوكًا فرديًا معزولًا؛ إنها خيانة للمعنى، واغتيال للثقة، وطعن في ظهر الأخلاق العامة. والمثقف – إن لم يكن أمينًا – صار خطرًا، لأن كلمته سلاح، وإذا تلوّث السلاح تلوّث كل ما يصيبه.
الخلاصة واضحة: من خان مجلسًا خان فكرة، ومن زيّف خبرًا زيّف ضميرًا، ومن استثمر القانون ليغطي كذبه لا يطلب عدلًا بل حصانة. أما المجتمعات فلا تنهض بالثرثرة، بل بالأمانة؛ ولا تُحمى بالقضايا، بل بصيانة الكلمة.












