خبراء : المصادر الرسمية خطة الدفاع الأول بعد انتشار 244 شائعة منذ بدء التصعيد
انجاز –(بترا) – محمد القرعان
يعيش الشرق الأوسط، في ظل التصعيد الحالي، حالة من القلق والترقب انعكست بشكل مباشر على الفضاء الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما بعدما برزت الشائعات كأحد أخطر التحديات التي ترافق الأزمات.
وفي كثير من الأحيان، تنتشر الشائعات بسرعة تفوق أحيانًا سرعة تداول الأخبار الموثوقة، مستفيدة من حالة الغموض وغياب المعلومات الدقيقة في المراحل الأولى للأحداث.
ومع كل تطور ميداني أو سياسي، تتدفق كميات كبيرة من المعلومات غير المؤكدة، تتراوح بين تحليلات غير مستندة إلى مصادر، وأخبار مفبركة تُصاغ لإثارة القلق والتأثير على الرأي العام، وهو ما يجعل الشائعات أداة فاعلة في إطار حروب المعلومات؛ لما لها من تأثير مباشر على الأمن المجتمعي وثقة المواطنين بالمؤسسات، وقدرتها على خلق حالة من الإرباك والبلبلة في لحظات حساسة.
ويرى مختصون في أحاديثهم لوكالة الأنباء الأردنية (بتر) أن الأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي ومواقفه الثابتة، يُعد ضمن الدول التي قد تتعرض لمحاولات استهداف غير مباشر عبر بث الشائعات؛ بهدف زعزعة استقراره وإثارة القلق في الداخل، مؤكدين أن المصادر الرسمية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات.
وبحسب تصريح للمركز الوطني لإدارة الأزمات لـ(بترا)، فقد بلغ عدد الشائعات المتداولة منذ بداية التصعيد العسكري في المنطقة (244) شائعة حتى يوم أمس، توزعت بين (41%) متعلقة بأخبار سقوط وانفجارات داخل الأراضي الأردنية، و(45%) مرتبطة بانقطاع سلاسل التوريد، وارتفاع الأسعار، ونقص المواد الغذائية والطاقة، إضافة إلى مزاعم التحول إلى التعليم عن بُعد.
وأوضح المركز، أن هذه الشائعات تركزت على الجوانب الأكثر حساسية لدى المواطنين، سواء الأمنية أو المعيشية؛ بهدف إثارة القلق وزعزعة الشعور بالاستقرار، حيث إن سرعة تداول هذه الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في تضخيمها وانتشارها على نطاق واسع.
وبالمقارنة مع حرب استمرت (12) يومًا في حزيران الماضي، انخفضت نسبة الشائعات بنحو (38%)، وهو ما يعكس تطورًا ملحوظًا في مستوى الوعي المجتمعي، وزيادة الاعتماد على المصادر الرسمية في الحصول على المعلومات، إلى جانب تحسن سرعة الاستجابة الإعلامية من قبل المؤسسات الوطنية، وفقًا للمركز.
ويوضح المركز، أن حجم استهداف الأردن بالشائعات في المرحلة الحالية كان أقل من السابق، رغم العدد المرتفع، نتيجة زيادة التدفق الإعلامي الرسمي، وحرص الجهات المعنية على تزويد المواطنين بالمعلومات أولًا بأول، ما حدّ من تأثير هذه الشائعات.
ودعا المركز الوطني لإدارة الأزمات، المواطنين إلى ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وعدم الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، مشددًا على أهمية التحقق قبل النشر أو التداول، لما لذلك من دور في حماية السلم المجتمعي.
كما أعرب عن ثقته بوعي المواطن الأردني، وقدرته على التعامل بمسؤولية مع ما يتم تداوله من معلومات، مؤكدًا أن التكاتف المجتمعي والوعي الفردي يشكلان حجر الأساس في مواجهة مثل هذه التحديات.
من جهته، قال خبير الذكاء الاصطناعي الدكتور محمد عطير إن الشائعات في أوقات الأزمات تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار، مضيفاً أن الدراسات الدولية تشير إلى أن المعلومات المضللة تنتشر بوتيرة أسرع بكثير من الأخبار الصحيحة.
وأضاف، أن تقارير صادرة عن منظمة اليونسكو تؤكد أن الأزمات السياسية والصحية تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في تداول الشائعات، فيما أظهرت دراسة لمعهد MIT أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة تصل إلى 70% أسرع من الأخبار الدقيقة.
وفي السياق الأردني، أشار عطير إلى أن الاعتماد الكبير على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيس للأخبار، إلى جانب التأثر المباشر بالأحداث الإقليمية، يزيد من خطورة الشائعات ويضاعف من تأثيرها على الرأي العام.
وأكد، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة في رصد الشائعات وتحليل أنماط انتشارها، من خلال تقنيات قادرة على تتبع مصادر الأخبار وكشف التلاعب في المحتوى، مضيفاً أن هذه التقنيات تسهم في دعم جهود التحقق وتعزيز مصداقية المعلومات.
وحول أساليب انتشار الشائعات، أوضح عطير أنها تعتمد على تكتيكات مدروسة تستهدف التأثير على المشاعر، مثل استخدام عناوين مثيرة، والإشارة إلى مصادر غير موثقة، وإعادة نشر أخبار قديمة بصياغة جديدة، إضافة إلى استغلال القضايا الحساسة.
كما أشار إلى أن الشائعات لم تعد مجرد سلوك فردي، بل أصبحت جزءاً من ما يُعرف بـ”الحرب المعلوماتية”، حيث يتم توظيف المعلومات والتضليل لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، مؤكداً أن هذه الحملات تُدار في كثير من الأحيان بشكل منظم للتأثير على الرأي العام.
وفيما يتعلق بدور الجهات الرسمية، أكد عطير أن الفراغ المعلوماتي يشكل بيئة خصبة لانتشار الشائعات، مضيفاً أن سرعة وشفافية المؤسسات في تقديم المعلومة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهتها.
كما أشار إلى أهمية دور الإعلام المهني في التحقق من الأخبار قبل نشرها، وتقديم محتوى موثوق، وتصحيح المعلومات المغلوطة بشكل سريع، خاصة في ظل حساسية الوضع الإقليمي وتأثيره المباشر على الشارع الأردني.
وعن التحديات، أوضح أن جهود مكافحة الشائعات تواجه صعوبات عدة، أبرزها سرعة انتشار المحتوى مقارنة بسرعة التحقق، وتطور تقنيات التزييف العميق، وصعوبة التمييز بين الحسابات الحقيقية والمزيفة، إضافة إلى محدودية الوعي الرقمي لدى بعض المستخدمين.
وأكد عطير، أن وعي المواطن يبقى العامل الأهم في الحد من انتشار الشائعات، داعياً إلى ضرورة التحقق من مصادر الأخبار، وعدم الانجرار وراء المحتوى غير الموثوق، مشيراً إلى أن مواجهة الشائعات مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد.
كما نبّه الصحفي خالد القضاة، إلى أن توقيت الشائعات يلعب دورًا محوريًا في تأثيرها؛ إذ يتم بثها غالبًا في أوقات الذروة الإخبارية أو عند غياب المعلومة الدقيقة؛ مما يجعلها أكثر قابلية للتصديق والانتشار.
وأضاف أن بعض الجهات تستغل حالة التوتر الإقليمي لبث رسائل مضللة تستهدف الداخل الأردني، سواء من خلال إثارة المخاوف الاقتصادية أو الأمنية، مؤكدًا أن الانجرار وراء هذه الشائعات دون تحقق يسهم في تحقيق أهداف مروجيها.
وشدد القضاة على أن الإعلام الوطني يتحمل مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه الظاهرة، من خلال تقديم المعلومة الدقيقة بسرعة وشفافية، وتعزيز ثقة المواطنين بالمصادر الرسمية، إلى جانب دور المواطن في عدم إعادة نشر أي محتوى غير موثوق.












