بين التعيين والإعفاء في رئاسة مجلس إدارة شركة كهرباء المملكة… من يجيب؟
بقلم : المهندس وليد البطاينة
أمضينا ريعان شبابنا في قطاع الكهرباء، وبذلنا الدم والعرق، وواجهنا التحديات، حتى أصبح قطاع الكهرباء الأردني من القطاعات التي يُشار إليها بالبنان، ومن أكثر القطاعات كفاءة واستقرارًا في المنطقة. ولم يكن هذا الإنجاز إنجاز شخص بعينه، بل ثمرة عمل آلاف المهندسين والفنيين والإداريين والعاملين الذين خدموا هذا الوطن بإخلاص، وكنت واحدًا منهم.
لذلك، فمن حقنا، وحق كل من ساهم في بناء هذا القطاع، أن نتساءل: ما الذي يجري في شركة كهرباء المملكة، الذراع الاستثماري لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي في قطاع الطاقة؟ فالأمر لا يتعلق بشخص، بل بمنهج إدارة واحدة من أهم المؤسسات الاستثمارية في هذا القطاع. ومن هنا، لا بد من استعراض الوقائع كما حدثت، ثم ترك الإجابة لصاحب القرار والرأي العام.
كُلِّف عطوفة الدكتور رفعت الفاعوري برئاسة مجلس إدارة شركة كهرباء المملكة اعتبارًا من 10 حزيران 2025، واستمر في منصبه حتى 10 أيار 2026، أي ما يقارب أحد عشر شهرًا، قبل أن يتم إعفاؤه وتكليف الدكتور المهندس غالب معابرة برئاسة مجلس الإدارة.
عندها، ساد لدي شعور بالتفاؤل، واعتقدت أن التوجه سيكون نحو الاستفادة من الخبرات المتخصصة في قطاع الطاقة لإدارة هذه المواقع الحيوية، لما تتطلبه من معرفة عميقة وخبرة تراكمية. لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلًا، بعدما أُنهي تكليف الدكتور غالب معابرة بعد نحو شهرين فقط، وهو ما فتح الباب أمام العديد من التساؤلات المشروعة.
وهنا يبرز سؤال أكبر من الأشخاص أنفسهم: ما الذي يجري في رئاسة مجلس إدارة شركة كهرباء المملكة؟ ولماذا هذه التغييرات المتسارعة في إدارة واحدة من أهم الشركات الاستثمارية في قطاع الطاقة؟
أليست الأولوية أن تكون المراجعة والتغيير في المواقع التي تستوجب ذلك فعلًا، والتي تتحدث نتائجها المعلنة عن نفسها، بدلًا من أن يتحول التغيير المستمر في قيادة الشركة الأم إلى الشغل الشاغل، على حساب استقرار الإدارة، واستمرارية تنفيذ الخطط، وتعظيم العائد على الاستثمار، وحسن متابعة أداء الشركات التابعة؟ وهل تخدم هذه التغييرات المتلاحقة استثمارات أموال الأردنيين، أم أنها تخلق حالة من عدم الاستقرار في إدارة شركة تمثل الذراع الاستثماري لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي في قطاع الطاقة؟
ثم إن السؤال الذي لا يقل أهمية: هل أصبح الأردن يفتقر إلى الكفاءات حتى نشهد هذا التبدل السريع في رئاسة مجلس إدارة شركة بحجم وأهمية شركة كهرباء المملكة، أم أن هناك أسبابًا أخرى لا يعلمها إلا صاحب القرار؟
ومن وجهة نظري، فإن أي قيادة تتولى رئاسة مجلس إدارة أو إدارة شركة تعمل في قطاع الطاقة، ولا سيما قطاع الكهرباء، يجب أن تكون ملمةً بكل تفاصيل صناعة الكهرباء، واقتصاداتها، والإطار التنظيمي الذي يحكمها، وخبراتها المتراكمة، وأدبيات هذا القطاع، وتحدياته، وآليات اتخاذ القرار فيه. فهذه ليست صناعة تقليدية، بل قطاع استراتيجي شديد التعقيد يحتاج إلى معرفة عميقة وخبرة تراكمية حتى تكون القرارات مبنية على فهم دقيق للواقع وتداعياته. وهذا معيار مهني أرى أنه يجب أن يكون حاضرًا عند اختيار من يقود مؤسسات بهذا الحجم والأهمية.
ورحم الله مهندسين أفذاذ خدموا هذا القطاع، وكانوا مدرسة في القيادة والإدارة والكفاءة. لقد أثبتت تجربتهم أن هذا الوطن لم ولن يعجز يومًا عن إنجاب الكفاءات القادرة على البناء والإنجاز، متى كانت الكفاءة والخبرة والنزاهة هي المعيار في الاختيار.
هذا المقال ليس دفاعًا عن شخص، ولا انتقاصًا من شخص آخر، وليس انتصارًا لأحد، وإنما هو محاولة لفهم ما يجري، وهو موجه إلى صاحب القرار.
ولا تربطني بالدكتور المهندس غالب معابرة أي علاقة خاصة أو مصلحة، لكنني تشرفت بالعمل معه عندما كان مفوضًا في هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، وأعرف أنه من أصحاب الخبرة والكفاءة المميزة. كما أنني لا أعرف من تم تعيينه أو من سيتم تعيينه لاحقًا رئيسًا لمجلس الإدارة، وله كل الاحترام والتقدير، وهذا المقال ليس موجهًا ضده، بل أتمنى له كل التوفيق في أداء مهمته.
لكن رسالتي إليه، منذ اليوم الأول، أن استثمارات شركة كهرباء المملكة تستحق مراجعة شاملة وإعادة تقييم، فهناك استثمارات وقرارات ونتائج تستوجب الوقوف عندها بكل مسؤولية، والخروج بنتائج تحفظ أموال الضمان الاجتماعي، وتعظم عوائدها، وتعزز الحوكمة والشفافية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن تقييم رئيس مجلس إدارة خلال شهرين فقط؟ فهي مدة لا تكفي حتى للإحاطة بتفاصيل العمل، فضلًا عن وضع الخطط أو تنفيذها أو تقييم نتائجها.
وفي المقابل، هناك مجالس إدارات يمتلك الضمان الاجتماعي الأغلبية فيها، أمضت سنوات في مواقعها، وأصبحت نتائجها المالية والتشغيلية معلنة ومعروفة. فلماذا لا يكون التقييم مبنيًا على النتائج؟ ولماذا لا تعتمد المعايير الدولية التي تقيس الأرباح الممكن تحقيقها في ظل الإمكانات المتاحة والخطط المعتمدة، وليس مجرد الأرباح المتحققة؟ فالفارق بينهما هو المؤشر الحقيقي على كفاءة الإدارة وتعظيم العائد على استثمارات أموال الأردنيين.
ولأن شركة كهرباء المملكة هي الشركة الأم المشرفة على شركات تابعة واستثمارات استراتيجية، فإن السؤال يصبح أكثر أهمية: كيف ستؤثر هذه التغييرات المتسارعة في قيادتها على أداء الشركات التابعة، وعلى قدرتها في متابعة تنفيذ الخطط، وتعظيم العائد على الاستثمار، وتعزيز الحوكمة والرقابة؟ وهل يمكن تحقيق الاستدامة في الأداء عندما تتغير القيادات بهذه الوتيرة، أم أن ذلك يفرض على الإدارات البدء من جديد في كل مرة؟
كلها أسئلة مشروعة، خصوصًا وأن هناك الكثير من علامات الاستفهام حول نتائج بعض الشركات التابعة، ومدى تحقيقها للأهداف التي أنشئت من أجلها، ومدى انعكاس ذلك على تعظيم قيمة استثمارات أموال الأردنيين.
لذلك، فإن القرار يثير أسئلة تستحق الإجابة، منها:
هل كان قرار التعيين غير مدروس من الأصل؟
أم أن قرار التعيين استند إلى اعتبارات لم تكن مرتبطة بالكفاءة والخبرة وحدهما، ثم جرى التراجع عنه بعد أسابيع قليلة؟
أم أن هناك أسبابًا استوجبت إنهاء التكليف خلال هذه الفترة القصيرة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن حق الأردنيين أن يعرفوا الحقيقة، لأن الأمر يتعلق بأموالهم واستثماراتهم.
أم أن المشكلة ببساطة أن بعض المسؤولين لا يجدون من يدعم استمرارهم، بينما يبقى آخرون في مواقعهم سنوات طويلة رغم الجدل الدائر حول نتائج أدائهم؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات، وإنما نتيجة طبيعية لقرارين متناقضين خلال فترة وجيزة؛ قرار بالتعيين، ثم قرار بإنهاء التكليف. وكلا القرارين يحتاج إلى تفسير، لأن من اتخذ قرار التعيين هو ذاته مطالب بتفسير سبب إنهائه بهذه السرعة.
إن استثمارات الضمان الاجتماعي ليست شأنًا عاديًا، بل هي أموال الأردنيين ومستقبل أجيالهم، وإدارتها يجب أن تقوم على الكفاءة والاستقرار والحوكمة والشفافية، لا على قرارات تثير الحيرة وتفتح أبواب التأويل والإشاعات.
يا صاحب القرار الذي نحترم ونجل …
لسنا نعترض على حقك في التعيين أو الإعفاء، فهذا من صلاحياتك، لكن من حق الأردنيين أيضًا أن يعرفوا الأسباب عندما يتعلق الأمر بإدارة أموالهم ومؤسساتهم. فالشفافية ليست ترفًا، بل أساس الثقة. وعندما تغيب الحقيقة، تحضر الإشاعة، وعندما يغيب التفسير، يحضر التشكيك.
الوطن اليوم ليس بحاجة إلى أزمات جديدة، ولا إلى أن يستيقظ المواطن كل يوم على قصة جديدة تفتح أبواب التحليلات والإشاعات. وأنا هنا لا أتهم أحدًا، ولا أقلل من شأن أحد، ولا أشكك في أي قرار، وإنما أطالب بأن تكون مثل هذه القرارات المهمة مصحوبة بتوضيح يضع حدًا للتأويل، لأن غياب المعلومة يفسح المجال للشائعات، بينما الوطن اليوم بأمسّ الحاجة إلى الوضوح والشفافية والاستقرار.












