إنجاز-شهد ابو العدس
يُعدّ المسجد الهاشمي في مدينة جرش أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في قلب المدينة، حيث شكّل منذ تأسيسه مركزًا روحيًا واجتماعيًا يجمع أبناء المجتمع المحلي ويعكس عمق الهوية الدينية والوطنية لأهالي جرش. ويُنظر إلى المسجد باعتباره شاهدًا حيًا على مراحل من تاريخ المدينة الحديث، إذ ظلّ لعقود طويلة منارة للعبادة ومركزًا للنشاط الديني والاجتماعي.
ويعود اسم المسجد إلى المغفور له بإذن الله الملك عبد الله الأول ابن الحسين، مؤسس الدولة الأردنية الحديثة، حيث شُيّد المسجد في عهده وبدأ العمل في بنائه عام 1936، قبل أن يُفتتح رسميًا عام 1939 على يد الملك عبد الله الأول عندما كان أميرًا لإمارة شرق الأردن، في خطوة جسّدت اهتمام القيادة الهاشمية ببناء دور العبادة وتعزيز حضورها في مختلف مناطق المملكة.
وشكّل بناء المسجد آنذاك محطة مهمة في تاريخ مدينة جرش، إذ أسهم أبناء المجتمع المحلي في دعمه وإتمام بنائه، حيث تولّى الشيخ محمد الصمادي، أول إمام للمسجد، قيادة حملة لجمع التبرعات من الأهالي والتجار وأبناء المدينة، ما يعكس روح التكافل والتعاون التي تميّز بها المجتمع المحلي في تلك الفترة.
ومع اكتمال أعمال البناء وافتتاح المسجد عام 1940، أصبح المسجد الهاشمي مركزًا دينيًا بارزًا تقام فيه الصلوات والخطب والأنشطة الدينية، كما لعب دورًا اجتماعيًا مهمًا في جمع أبناء المدينة وتعزيز الروابط بينهم، ليغدو مع مرور السنوات أحد أبرز الرموز الدينية في جرش.
وقال مدير أوقاف جرش باسم الزعبي إن المسجد شهد خلال العقود الماضية عدة توسعات وإضافات بهدف الحفاظ على دوره الديني والخدمي وتلبية احتياجات المصلين المتزايدة، مشيرًا إلى أن المسجد حافظ رغم تلك التوسعات على مكانته التاريخية وقيمته المعمارية.
وأوضح الزعبي أن أعمال صيانة شاملة تُنفذ حاليًا في المسجد بتمويل من مجلس محافظة جرش بكلفة تُقدّر بنحو 70 ألف دينار، وذلك في إطار الجهود الرامية للحفاظ على المعالم الدينية والتراثية في المحافظة وصونها للأجيال القادمة.
وبيّن أن أعمال الصيانة تركز على إعادة الطراز المعماري الأصلي للمسجد وإبراز هويته التراثية، حيث شملت إزالة البلاط عن الجدران وإظهار الحجارة القديمة ومعالجتها بمواد عزل خاصة للحفاظ عليها، إضافة إلى إعادة بناء المنبر والمحراب وفق التصميم القديم الذي كان عليه المسجد عند إنشائه.
كما تتضمن أعمال الصيانة معالجة سطح وسقف المسجد من الداخل والخارج لضمان سلامته الإنشائية، إلى جانب تنفيذ أعمال ترميم وتحسينات داخلية تشمل إعادة فرش المسجد وتحديث بعض مرافقه بما يضمن راحة المصلين ويحافظ في الوقت ذاته على طابعه التراثي.
وأشار الزعبي إلى أنه من المتوقع الانتهاء من أعمال الصيانة خلال شهرين من تاريخ بدء المشروع، ليعود المسجد لاستقبال المصلين بحلته المتجددة التي تجمع بين الأصالة المعمارية ومتطلبات الاستخدام الحديث.
ويضم المسجد الهاشمي أيضًا دارًا للقرآن الكريم تُعنى بتعليم تلاوة القرآن الكريم وتحفيظه للطلبة من مختلف الأعمار، حيث جرى نقل نشاطاتها مؤقتًا إلى أحد المساجد القريبة إلى حين الانتهاء من أعمال الصيانة الجارية.
ويؤكد أبناء مدينة جرش أن المسجد الهاشمي لا يمثل مجرد مكان للعبادة فحسب، بل يعد جزءًا من الذاكرة التاريخية للمدينة وواحدًا من المعالم التي ارتبطت بحياة الناس اليومية ومناسباتهم الدينية والاجتماعية.
ومع مرور أكثر من ثمانية عقود على تأسيسه، ما يزال المسجد الهاشمي يحتفظ بمكانته الروحية في قلوب أبناء جرش، كما يظل شاهدًا على تاريخ المدينة الحديث ومعلمًا عمرانيًا يعكس ارتباطها بإرثها الديني والحضاري، ليبقى رمزًا من رموز الهوية الدينية والتراثية في المحافظة.

