التميمي تكتب : ماذا لو صُمِّم التعليم ليناسب الطفل… لا العكس؟
اعتدنا لعقود طويلة على أن يتكيف الطفل مع النظام التعليمي القائم؛ فيلتزم بالأساليب ذاتها، والسرعة نفسها، وطريقة التعلم ذاتها التي تُقدَّم لجميع الطلبة دون تمييز. لكن مع التطورات المتسارعة في العلوم التربوية والتكنولوجيا الحديثة، يبرز تساؤل مهم: ماذا لو صُمِّم التعليم ليناسب الطفل، لا أن يُطلب من الطفل أن يتكيف مع التعليم؟
لقد أثبتت الدراسات التربوية أن الأطفال يختلفون في قدراتهم، واهتماماتهم، وأنماط تعلمهم، وطرق تفاعلهم مع المعرفة. فما يُناسب طفلًا قد لا يُناسب آخر، وما يُحفّز أحدهم قد لا يحقق الأثر ذاته لدى غيره. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الانتقال من مفهوم “التعليم الموحد” إلى مفهوم “التعليم الشخصي” الذي يضع المتعلم في مركز العملية التعليمية.
وفي ظل الثورة الرقمية التي يشهدها العالم، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تدعم هذا التوجه. فالتقنيات الذكية قادرة على تحليل احتياجات المتعلمين، وتحديد نقاط القوة لديهم، واقتراح أنشطة تعليمية تتناسب مع مستوياتهم وقدراتهم الفردية. كما تتيح للمعلمين فرصًا أوسع لمتابعة تقدم الطلبة وتقديم الدعم المناسب لكل منهم.
وتزداد أهمية هذا التوجه عند الحديث عن الطلبة ذوي الإعاقة أو الذين يواجهون صعوبات تعلم مختلفة؛ فهؤلاء يحتاجون إلى بيئات تعليمية مرنة تراعي احتياجاتهم الفردية وتمنحهم فرصًا متكافئة للتعلم والنجاح. وهنا لا يكون الهدف دمجهم في النظام التعليمي فحسب، بل تطوير نظام قادر على احتضان تنوعهم والاستجابة له بفاعلية.
إن مستقبل التعليم لا يكمن في إنتاج طلاب متشابهين، بل في تمكين كل طفل من التعلم وفق إمكاناته وقدراته الخاصة. فالتعليم الحقيقي ليس الذي يُجبر المتعلم على السير في طريق واحد، بل الذي يفتح أمامه طرقًا متعددة للوصول إلى المعرفة والنجاح.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف نُعدّ الأطفال ليتناسبوا مع أنظمة التعليم؟ بل: كيف نُعيد تصميم أنظمة التعليم لتتناسب مع الأطفال أنفسهم؟
إن بناء تعليم إنساني وشخصي يبدأ بالاعتراف بأن لكل طفل قصة مختلفة، وقدرات فريدة، وطريقته الخاصة في التعلم والنمو. وعندما نُصمّم أنظمة تعليمية تستجيب لهذه الفروق وتمنح كل متعلم فرصة حقيقية للتألق، فإننا لا نُحسّن جودة التعليم فحسب، بل نُسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وتمكينًا. وعندما ننجح في تحقيق ذلك، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مستقبل تعليمي أكثر إنسانية، وأكثر شمولًا، وأكثر قدرة على إطلاق إمكانات كل طفل ليصبح أفضل نسخة من نفسه.
بقلم الباحثة بيان فالح التميمي





