بقلم: د. أحمد عبدالقادر الربابعة/ الناشط في مجال التغير المناخي
لم يعد التغير المناخي قضية مستقبلية يمكن تأجيل التعامل معها، بل أصبح واقعًا نعيشه ونلمس آثاره في تفاصيل حياتنا اليومية؛ من ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول، إلى الضغوط المتزايدة على المياه والزراعة والأمن الغذائي وسبل عيش المجتمعات المحلية.
ومع اقتراب مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31)، تتجدد أهمية السؤال الذي يجب أن يكون حاضرًا في النقاش المناخي العالمي: كيف ننتقل من التعهدات إلى التنفيذ، ومن الخطط والسياسات إلى أثر حقيقي يشعر به الناس؟
بالنسبة لي، لا تكمن أهمية COP31 فقط في حجم القرارات التي ستصدر عنه، وإنما في قدرته على الدفع باتجاه حلول عملية وعادلة، تأخذ بعين الاعتبار اختلاف احتياجات المجتمعات والدول، وخاصة المجتمعات الأكثر هشاشة والأقل قدرة على مواجهة آثار التغير المناخي.
الشباب ليسوا مجرد مشاركين من خلال تجربتي في العمل مع الشباب، أرى أن الشباب يجب أن يكونوا جزءًا أساسيًا من عملية صناعة القرار المناخي، وليسوا مجرد حضور شبابي في المؤتمرات والفعاليات.
الشباب اليوم يمتلكون المعرفة والطاقة والأفكار والقدرة على الابتكار، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى مشاركة مؤثرة في السياسات والبرامج والمشاريع المناخية، نحتاج إلى الانتقال من الحديث عن الشباب إلى الحديث مع الشباب ومن خلالهم، وإلى توفير مساحات حقيقية تمكنهم من طرح الحلول والمشاركة في تصميم السياسات ومتابعة تنفيذها،فالشاب الذي يعيش في قرية ويواجه تحديات مرتبطة بالمياه أو الزراعة أو فرص العمل، يمتلك معرفة محلية لا يمكن أن توفرها التقارير وحدها.
المجتمعات الريفية في قلب المعادلة المناخيةعندما نتحدث عن العمل المناخي، يجب ألا تقتصر رؤيتنا على المدن والمراكز الحضرية، المجتمعات الريفية تقف في الخط الأمامي لمواجهة العديد من آثار التغير المناخي، وخاصة في قطاعات الزراعة والمياه والسياحة والموارد الطبيعية، وفي الوقت نفسه، تمتلك هذه المجتمعات فرصًا كبيرة لتكون جزءًا من الحل، من خلال الزراعة المستدامة، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والسياحة البيئية، والمشاريع الخضراء، والابتكار المحلي، ومن هنا، فإن الاستثمار في المجتمعات الريفية ليس فقط استثمارًا تنمويًا، بل هو أيضًا جزء من الاستجابة لأزمة المناخ.
العدالة المناخية ليست شعارًا من أهم القضايا التي يجب أن تبقى حاضرة في النقاشات المرتبطة بـCOP31 هي العدالة المناخية.
فآثار التغير المناخي لا تقع على الجميع بالدرجة نفسها، كما أن قدرة المجتمعات على التكيف والاستجابة تختلف بشكل كبير، لذلك، فإن الحديث عن المناخ يجب أن يرتبط بالعدالة في الوصول إلى التمويل المناخي، والتكنولوجيا، والمعرفة، وبناء القدرات، والفرص الاقتصادية الخضراء، كما يجب أن تصل المشاريع والبرامج المناخية إلى المجتمعات المحلية، لا أن تبقى محصورة في المؤسسات والمراكز الكبرى.
من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الأخضرأعتقد أن التحول المناخي يمثل أيضًا فرصة لإعادة التفكير في مستقبل العمل والاقتصاد، الاقتصاد الأخضر يمكن أن يفتح أبوابًا جديدة أمام الشباب، خصوصًا في مجالات الطاقة النظيفة، والزراعة المستدامة، وإدارة الموارد الطبيعية، والتكنولوجيا الخضراء، وإعادة التدوير، والسياحة البيئية.
لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب الاستثمار في المهارات الخضراء وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل الجديدة، فلا يمكن أن نتحدث عن انتقال أخضر حقيقي دون أن نضمن أن الشباب يمتلكون المهارات التي تمكنهم من المشاركة في هذا التحول والاستفادة من فرصه.
ماذا ننتظر من COP31؟
بالنسبة لي، نحتاج من COP31 إلى أكثر من بيانات ختامية وتعهدات جديدة.
نحتاج إلى:–
تعزيز تمويل العمل المناخي ووصوله إلى المجتمعات المحلية.
إعطاء الشباب دورًا أكبر في صناعة السياسات المناخية.
دعم المجتمعات الريفية في التكيف مع آثار التغير المناخي.
تعزيز الاستثمار في المهارات والوظائف الخضراء.
دعم الابتكار والحلول المحلية التي يقودها الشباب والمجتمع المدني.
ربط العمل المناخي بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدالة.
وضع آليات واضحة لقياس أثر الالتزامات المناخية ومتابعة تنفيذها.
في النهاية، لا أعتقد أن نجاح أي مؤتمر مناخي يجب أن يقاس فقط بعدد المشاركين أو قوة البيانات التي تصدر عنه، بل بمدى قدرتنا على رؤية نتائج هذه القرارات في المزرعة، والقرية، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل، وفي حياة الناس اليومية، ويجب أن يكون محطة جديدة للانتقال من التعهد إلى التنفيذ، ومن المشاركة الرمزية إلى التأثير الحقيقي، ومن الحديث عن المستقبل إلى العمل من أجل حاضر أكثر عدا واستدامة.
والشباب، في رأيي، ليسوا فقط جزءًا من مستقبل العمل المناخي، إنهم جزء أساسي من الحل اليوم




