وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

من معركة الكرامة في الأردن إلى معركة تشرين / أكتوبر في مصر … حين تنتصر الإرادة

التحرير
٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ 10 دقائق قراءة
من معركة الكرامة في الأردن إلى معركة تشرين / أكتوبر في مصر … حين تنتصر الإرادة

بقلم: المستشار محمد صالح الملكاوي / عمّان

الكرامة وتشرين / أكتوبر – رمضان هما وجهان لانتصار عربي واحد، وهما من أكثر المحطات العربية التي تستحق أن نقرأهما معاً تاريخياً وجغرافيا وعروبياً وإسلامياً وعالمياً.
فبين 21 آذار / مارس 1968 الذي وقعت فيه معركة الكرامة المُباركة على الأرض الأردنية، و 6 تشرين الأول / أكتوبر 1973 الذي وقعت فيه معركة تشرين – أكتوبر / رمضان على أرض سيناء الطاهرة، لم تكن المسافة الزمنية مجرد خمس سنوات ونصف تقريباً؛ فقد كانت المسافة بين صدمة عربية كبرى في حزيران 1967 من جهةٍ، ومحاولة عربية (أردنية – مصرية)، لاستنهاض الإرادة، لإعادة بناء الثقة بالنفس والقدرة على المبادرة، وتحقيق النصر من جهة أخرى.
فقد أكد الجندي الأردني في معركة الكرامة بأن النصر لا يُقاس دائماً بعدد الدبابات التي دُمرت، ولا بمساحة الأرض التي احتُلّت أو استُعيدت فقط؛ لأن الانتصار يكون أحياناً في إسقاط مُخطط عدواني يستهدف الوطن، بأرضه وسمائه ومائه، مثلما أكد الجندي المصري في معركة تشرين / أكتوبر – رمضان بأنه لا مُستحيل أمام عظمة مصر، وأن الجُندية المصرية وُلدت من رحم البطولة والبسالة، وتحطيم المُستحيل، حتى لو غدا للبعض بأنه مُستحيل.
وهنا أستحضر، من زاوية الذاكرة الثقافية والدينية، صورة القائد المُسلم حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه في معركة بدر في السنة الثانية للهجرة، لا باعتبار أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، وإنما باعتبار أن الذاكرة العربية والإسلامية احتفظت دائماً بصورة القِلّة بالعدد والعِتاد والسلاح، التي تتفوّق بالإيمان والإرادة على جيش العدو المُدجج بالسلاح والعنجهية.
حيث كانت معركة بدر بالنسبة للمسلمين لحظة تأسيس الثقة بعد هجرتهم من مكة المُكرّمة إلى المدنية المُنوّرة، وكانت معركة الكرامة بالنسبة إلى الأردنيين والعرب أول محطة من محطات استعادة الثقة والنصر أيضاً، بعد خسارة حرب حزيران عام 1967، مثلما هي معركة تشرين / أكتوبر – رمضان بالنسبة للمصريين والعرب، الذين أكدوا أن مصر هي عُمق الأمة العربية، وأنها لا تقبل بالهزيمة؛ حتى وإن تجرّعتها مرة على غفلة، وأن النصر المصري قادمٌ لا محالة، وهو نصر كامل للأمة.
فمصر في حرب تشرين / أكتوبر عام 1973 لم تدخل هذه الحرب باعتبارها مجرد عملية انتقامية، بل لقد دخلتها مصر وهي تريد أن تقول للعالم: إن الجيش المصري الذي تعرّض للهزيمة عام 1967 استطاع أن يعيد بناء نفسه في بضع سنين، وأنه قادر على أن يُغيّر استراتيجيته وخططه العسكرية، وأن يفاجئ العدو، وهنا تظهر عبقرية القادة والجنود المصريين، الذين خاضوا حرباً لكسر هيبة العدو، قبل الانتصار عليه.
لهذا لم تكن معجزة الجيش المصري في عبور مياه قناة السويس، وإنما المُعجزة هي في تحويل ما اعتبره العدو عائقاً شبه مستحيل، إلى مسألة هندسية وعسكرية مصرية قابلة للحل، وقابلة أيضاً لكسر أنف العدو الذي كان يتبجح بأن خط بارليف أعظم من أهرامات مصر، وأن مياه النيل لم تعد قابلة للحياة، فكان رد الجنود المصريين على العدو في ذلك الوقت: (الجواب هو ما تشاهدون وليس ما تسمعون)، على غِرار ما فعله الخليفة العباسي هارون الرشيد، بحق نقفورن زعيم الروم عام 187 هجري / 803 ميلادي، وقد كانت هذه هي أعظم محطة مصرية في العصر الحديث أذّلت كبرياء العدو، عندما تم رفع العلم المصري على خط بارليف المُدمّر بأيدي الجيش المصري، للتأكيد على مصرية سيناء، وعلى عروبتها.
ومثلما استحضرتُ القائد المُسلم حمزة بن عبدالمطلب في معركة الكرامة الأردنية، يُمكنني أن أستحضر من الذاكرة الإسلامية، صورة القائد خالد بن الوليد رضي الله عنه، في معركة تشرين / أكتوبر المصرية: لأن القيمة ليست في القوّة وحدها، وإنما أيضاً هي في تحويل العقل العسكري المصري إلى أداة للانتصار، وقد دللت عقلية الجنود المصريين بأن فِكر وثقة خالد بن الوليد، موجودة أيضاً في التخطيط العسكري المصري، وفي المعلومة، وفي التدريب والاستعداد، وأيضاً في المفاجأة والمُباغتة، واللوجستيات، وحُسن القيادة والإرادة، كما حدث في اقتحام حِصنِ بارليف.
صحيح أنه مضى على معركة الكرامة 58 عاماً، وعلى معركة تشرين / أكتوبر 53 عاماً، ضد عدوٍ واحدٍ، إلا أنهما معركتان كانتا ضد أسطورة المُستحيل، وقد أثبت الأردن ومصر بأن الدول الواثقة بنفسها تستطيع إعادة بناء قدراتها والتخطيط لحرب معقدة وتحقيق اختراقات عسكرية حقيقية ضد العدو.
والشئ الأقوى والأعمق، ليس فقط انتصار مصر والأردن في معركتين مهمتين في التاريخ العربي الحديث، ولكن الانتصار الأقوى والأعمق والأوسع هو الجهاد الأعظم بعد ذلك، حيث بدأت الدولتان العمل على استعادة الحقوق (المصرية والأردنية) من خلال قوّة السلام، ومعركة البناء والتنمية والتطوّر بواسطة الإرادة، ومعركة تحدي الإرهاب عبر تعزيز أركان السلام والأمان والاستقرار، ليس على مستوى الأردن ومصر، وإنما في كامل منطقة الشرق الأوسط.
فقد انتقلت الأردن ومصر بعد الحربين (الكرامة وتشرين / أكتوبر – رمضان) إلى العمل، والإعمار، والتعليم، والتنمية، وبناء الدولة، وتعزيز المؤسسات، وحماية المجتمع، إيماناً منهما بأن الدولة التي تستطيع أن تحمي حدودها وأراضيها يجب عليها أن تستطيع أيضاً أن تحمي اقتصادها ومجتمعاتها، ومدارسها، ومستشفياتها، وشوارعها، ومياهها، ومستقبل شبابها، وحتى مقابر أبنائها، لأن كرامة الأموات لا تقل أهمية عن كرامة الأحياء.
ومن هذا المُنطلق يمكنني القوب بأن الأردن الذي يقع في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، وعلى حدود جغرافية شديدة الحساسية، أصبح هدفه بعد حرب الكرامة الحفاظ على الدولة ومؤسساتها وتماسك مجتمعها جزءاً أساسياً من مشروع التنمية، لهذا ومع مرور السنوات، عمل الأردن على بناء علاقات وشراكات اقتصادية وسياسية مع العالم، وأيضاً على توسيع شبكات التعاون الدولي، وترسيخ مكانته باعتباره دولة تسعى إلى تحقيق الاستقرار والتنمية في بيئة إقليمية مضطربة.
ومصر التي تتقدم صفوف الأمة العربية وهي تتكئ على انتصارها العظيم ومنجزاتها في حرب تشرين / أكتوبر قالت كلمتها بأن مصر القادرة على شن الحرب واستعادة الحقوق كاملة غير منقوصة، قادرة كذلك على صُنع السلام وترسيخ جذورة ليس فقط في مصر، وإنما في منطقة الأوسط والعالم.
وقد يسألني البعض: ألم تكن سوريا شريكة في حرب تشرين / أكتوبر عام 1973، فلماذا تُغفل دورها وانتصارها في هذه الحرب!!!؟؟؟
وإجابتي هُنا: أنه في الوقت الذي كانت فيه معركة الكرامة ومعركة تشرين / أكتوبر أساساً لتعظيم كرامة الإنسان الأردني والإنساني المصري والعربي، لأنهما صنعتا النصر وهزمتا عدواً متغطرساً، إلا أن النظام السوري الذي حكم على مدى فترتين رئاسيتين متتاليتين لمدة (53) عاماً، حوّل هذا النظام بكل أسف انتصاره في هذه المعركة، إلى سلاحٍ فتّاك لإِحكام قبضته على السوريين، وغدت هذه الحقبة حالكة من القهر والتدمير الممنهج لهوية الإنسان السوري وكرامته، ولقد ارتكب هذا النظام السوري أفظع الانتهاكات وأقسى جرائم العصر، مُحوِّلاً سوريا إلى سجن كبير ومقابر جماعية، ومستخدماً أبشع أسلحة البطش، من التطهير، والاعتقال القسري، والتعذيب حتى الموت في أقبية الموت، إلى إبادة المُدن وتشريد ملايين السوريين في أصقاع الأرض بأسلحة فتّاكة وبراميل مُتفجرة.
لا بل لم يكتفِ النظام السوري بسرقة مُقدرات سوريا وتجويع شعبها، بل سعى بوحشية لكسر إرادة الأحرار السوريين وطمس الذاكرة الوطنية السورية، تاركاً خلفه إرثاً دامياً من الجراح العميقة والدمار الشامل الذي يرفض السوريون أن يمحوه النسيان، حتى سقط عرش الاستبداد صاغراً تحت أقدام ثورة الشعب التواقة للحرية والكرامة، لهذا يمكنني القول بأن انتصار إرادة الشعب السوري عام 2024، وهروب النظام، هي الأساس قبل الانتصار على العدو في معركة تشرين / أكتوبر عام 1973. وستبقى سوريا هي أرض الفتوحات والانتصارات، ولا يمكن أن تُختزل بسنوات “نظامٍ” جعلنا نلتفت إلى كرامة ومجد السوريين أولاً.
وللتاريخ أقول، بأن الجيش المصري حمى مصر ومُقدّراتها وإنجازاتها وتاريخها إبّان ثورة الربيع العربي في مصر، في ذات الوقت الذي كان فيه الجيش السوري يُنكّل بالسوريين في ثورة الربيع العربي في سوريا، لهذا شتّان بين الجيش المصري الذي حمى دولته وشعبه، وبين الجيش السوري الذي دمّر الدولة وقتل وشرّد شعبه.
أما بعد هذين الانتصارين الأردني والمصري في المعركتين (الكرامة وتشرين / أكتوبر – رمضان)، فقد تحوّل الجيش المصري والجيش الأردني ومعهما الأجهزة الأمنية إلى حماية الحدود وحفظ استقرار وأمن الداخل ضد الإرهاب الذي كان يطال المدنيين الأبرياء والسيّاح والزوّار والكنائس والمساجد والفنادق وغيرها، وكذلك استهداف رجال الجيش والشرطة والأمن، ولكن في ذات الوقت كان النظام السوري السابق على مدى المرحلتين يحتضن الإرهابيين والمجرمين، تحت مُسمّيات محور المقاومة. هذا المحور الذي لم يُطلق النار بعد حرب تشرين / أكتوبر عام 1973 إلا على أجساد السوريين المدنيين والأبرياء العُزّل، فيما كانت التفجيرات التي يُدبّرها النظام السابق تغتال أيضاً القيادات المعارضة لهذا النظام في دول الجوار، وتشهد على ذلك الدماء التي تم إراقتها في لبنان بأيدي أعوان هذه النظام.
وتخيلوا معي، فبعدما استعادت مصر كامل صحراء سيناء ومسحت عنها آثار الاحتلال الغاشم والظلم والظلام، وبدأنا نرى الروح المصرية تعود إلى سيناء تنمية وازدهاراً وعظمة، كانت العصابات الإرهابية تُخطط في ظلام الليل الحالك لقتل انتصار سيناء في تشرين / أكتوبر – رمضان، فلم يعد العدو هو من يحتل سيناء، بل أصبح العدو أيضاً هو من يريد العبث بالأمن والسلام والتنمية في سيناء، وكذلك في القاهرة الاسكندرية والأقصر والواحات وغيرها من المُدن والمناطق المصرية، وبكل أسف هذه المرّة هم من أبناء جلدتنا ويتحدثون بلغتنا، ويدّعون زوراً وبُهتاناً وإفكاً أنهم يُمثلون الإسلام … والإسلام منهم براء.
وكذلك هو حال الأردن، فبعدما تخلّص من حرب الاستنزاف، وبدأ بمشاريع وخِطط التنمية، بدأت التنظيمات الإرهابية باستهداف أرواح المدنيين الأردنيين والضيوف والسيّاح وزوّار الأردن، ولعل تفجيرات الفنادق التي جرت في عمّان عام 2005، هي أكبر شاهد على ذلك، والتي سقط ضحيتها (63) شخصاً بريئاً، في مقدمتهم مخرج فيلم “الرسالة” الذي قدّم الإسلام بوسطيته واعتداله، (المُخرج العالمي مصطفى العقاد) الذي حضر إلى الأردن ليرى ابنته (ريما) التي حضرت من بيروت لرؤية أبيها أيضاً، ولكنّ روحيهما التقيتا في السماء قبل أن تلتقي أجسادهما على الأرض، فقد قُتلا في تلك التفجيرات.
وتخيّلوا معي أيضاً، ولست إدري إن كان ذلك من باب المُصادفة أو من باب المؤامرة، ففي ذلك العام (2005) ضرب حادث إرهابي إليم وغاشم شرم الشيخ المصرية، وقُتل فيه (67) شخصاً بريئاً، وقبلها حادث الأقصر الإرهابي عام 1997 الذي قتل فيه أيضاً (58) إنساناً بريئاً، وغيرها كثير من الأحداث الإرهابية، التي تعرّضت لها مصر.
وقبل أن أختم مقالتي: أقولها وأنا ابن أحد ضباط القوات المُسلّحة الأردنية (الجيش العربي)، وفي ذات الوقت أنا رئيس وحدة ثقافة السلام في الشرق الأوسط، بأن الحرب ليست نهاية المطاف، بل هي مرحلة ما قبل الأمن والبناء والتنمية، لهذا أرى بأن معركة تشرين / أكتوبر عام 1973 أكدت بأن الكرامة والعزيمة المصرية لا تُهزم ولا تُكسر ولا تنحني، مثلما أكدت معركة الكرامة / آذار 1968 بأن كرامة الأردنيين هي في الوِحدة وتآلف القلوب ورفض التشرذم، وأن كلا المعركتين أكدتا بأن الجندي المصري والجندي الأردني هما رمز الأمن والسلام والتنمية أيضاً، لأن الجندي هو أول عُنصر من عناصر التنمية في الأردن وفي مصر، وليس رأسمال المادي فقط كما يعتقد البعض.
وليس من باب المجاملة، إذا قُلت بأنني عندما شاهدت السفير المصري في الأردن سعادة السيد خالد الأبيض، وعطوفة العقيد محمد فضل المُلحق العسكري المصري ومعهما أركان السفارة والمُلحقية العسكرية، وهم يتقبّلون التهاني قبل يومين بمناسبة نصر أكتوبر المجيد 1973 (كما يحب أن يسمّيه الأشقاء المصريون)، تمنيت لو أني أقف معهم لأتقبل التهاني أيضاً بانتصار الجيش الأردني في معركة الكرامة، لأني على يقين بأن أرواح شهداء المعركتين التقت في الجنّة بدمائهم الطاهرة الزكية.
ولن أكون مبالغاً ولا مُغالياً إن قُلت لكم بأن روح الراحل الملك الحُسين بن طلال بطل معركة الكرامة، وروح الراحل محمد أنو السادات بطل معركة تشرين / أكتوبر – رمضان، وروح الراحل محمد حُسني مُبارك ، الذي كان قائداً للقوات الجوية المصرية حينذاك، كانت حاضرة في ذلك الاحتفال، لأن فرحة الانتصار لا تنتهي بموت الأبطال، بل تبقى خالدة بخلود أرواحهم.
ومن باب الاعتراف، فأود أن أقول بأن رسالة الجُندية التي يحملها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحُسين، ورسالة الجندية أيضاً التي يحملها فخامة الرئيس المصري محمد عبدالفتاح السيسي، ومعهما الجيشين المصري والأردني، هي إرث معركة الكرامة / آذار 1968 التي لم تكن مجرد معركة على ضفاف نهر الأردن، كما لم تكن حرب تشرين / أكتوبر 1973 مجرد عبور لقناة السويس؛ لقد كانتا عبوراً عربياً من تضميد الجراح إلى استعادة الثقة، واستنهاض الإرادة، وتحقيق النصر الساحق على الأعداء.
فالجندي الأردني صرخ بأعلى صوته في الكرامة بأن التضحية هي التي تصنع كرامة النصر، ونصر الكرامة، وكذلك صرخ الجندي المصري في عبور قناة السويس بأنه لا مُستحيل أمام الجندي المصري، وأن شهر رمضان المُبارك هو شهر الانتصارات على الأعداء، وأن عظمة المصريين هي التي تصنع الانتصارات.
والآن في عام 2026 … بعد أن هدأت أصوات المدافع والرصاص أقول بأن الرسالة (المصرية – الأردنية) للعالم بأن: أكبر نصر نُحققه في دولنا، هو أن ننتصر في وقت السلام.
مبروك لكم في مصر ولنا البطولة والبسالة في هذه الذكرى العظيمة، ومبروك للمصريين أنهم الأبطال الحقيقيين لحرب تشرين / أكتوبر 1973، مثلما أبارك للمصريين أيضاً بانتصار الأردن في معركة الكرامة، لأن كرامة الأمة تولد دائماً من وسط لهيب المعارك والإنجازات.

مشاركة: