وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

معدل الجمعيات".. تغييرات واسعة بالتنظيم القانوني للعمل الأهلي وتشدد بالحوكمة الداخلية

التحرير
٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦ 6 دقائق قراءة
معدل الجمعيات".. تغييرات واسعة بالتنظيم القانوني للعمل الأهلي وتشدد بالحوكمة الداخلية

يأتي مشروع القانون المعدل لقانون الجمعيات لسنة 2026 ليُحدث تغييرات واسعة في التنظيم القانوني للعمل الأهلي، تتراوح بين التحديث المؤسسي والرقمي، والتشديد الملحوظ في مجالات الحوكمة الداخلية والرقابة على الموارد المالية، وصولا إلى إعادة إرساء شروط التأسيس والتوسع في حالات تعيين الهيئات المؤقتة للجمعيات عند وقوع الخلافات الإدارية.

وشملت التعديلات المقترحة ما لا يقل عن 13 مادة أساسية في القانون الأصلي النافذ رقم 51 لسنة 2008، مستحدثة تعاريف جديدة، مثل “المنصة الإلكترونية”، إلى جانب تنظيم فروع الجمعيات الأجنبية بموجب نظام خاص، ومنع تضارب المصالح وازدواجية العضوية، ورفع سقف إعفاء الميزانيات من التدقيق المالي الإلزامي، فضلا عن تقنين الائتلافات والمبادرات التطوعية، وحظر الفعاليات ذات الطابع الديني إلا بموافقات مسبقة.
وفي قراءة أولية أعدتها “الغد” لنصوص مشروع القانون المعدل، الذي نُشرت مسودته على موقع ديوان التشريع والرأي، أظهرت المواد المتعلقة بشروط تأسيس الجمعيات توجها تشريعيا نحو فرض متطلبات أكثر صرامة. فبعد أن كان القانون الأصلي يكتفي بحد أدنى عام يبلغ سبعة أشخاص لتأسيس الجمعيات، فرض المشروع الجديد شروطا ترفع عدد المؤسسين بحسب طبيعة النشاط والهدف. وأصبح لزاما ألا يقل عدد المؤسسين عن 20 شخصا للجمعيات ذات الطابع الاجتماعي أو التنموي أو الخيري، مثل الجمعيات المعنية برعاية الأسرة والطفولة والأيتام والمسنين وذوي الإعاقة والحد من الفقر، بينما ارتفع العدد إلى 50 شخصا كحد أدنى للجمعيات التي تستهدف تعزيز الروابط الاجتماعية بين أبناء العشيرة أو العائلة الواحدة.
إعادة هيكلة عبر ثلاثة تصنيفات رئيسة
وتتضمن التعديلات التشريعية المقترحة، ولا سيما المادة (4) من مشروع القانون المعدل، التي تصوّب وتستحدث أحكاما تُضاف إلى المادتين (3) و(6) من القانون الأصلي، إعادة هيكلة شاملة للقطاع الأهلي عبر اعتماد ثلاثة تصنيفات أساسية للجمعيات، يندرج تحت كل منها عدد من الفئات والمعايير التنظيمية.
ويشمل التصنيف الأول الشكل والطبيعة القانونية، وتوزيع الجمعيات بحسب أعداد المؤسسين ونوع العضوية، فيما يشمل التصنيف الثاني التخصص القطاعي والمجال التنموي، من خلال توزيع الجمعيات بناء على مجالات نشاطها المعتمدة لدى سجل الجمعيات والوزارات المتابعة لها. أما التصنيف الثالث، فيتعلق بتقييم الأداء والميزانيات المالية والنطاق الجغرافي.
ضوابط لمنع تضارب المصالح
وبرز التشديد الأوضح في الجانب التنظيمي والإداري لأعضاء الهيئات الإدارية، بهدف منع تضارب المصالح وإحكام الرقابة؛ إذ حظر التعديل على عضو الهيئة الإدارية الجمع بين عضوية إدارتي جمعيتين تتبعان الوزارة المختصة ذاتها، مع ترتب سقوط العضوية حكما عند المخالفة. كما فرضت التعديلات قيودا تتعلق بصلة القرابة، تحظر وجود صلات زواج أو قرابة حتى الدرجة الثانية بين أي عضوين في الهيئة الإدارية للجمعية ذاتها، مع استثناء الجمعيات العشائرية والعائلية من ذلك.
التوسع في صلاحيات الهيئات المؤقتة وتجميد العضويات
وتتحدد ملامح التوسع في الصلاحيات التنفيذية بموجب المادتين (7) و(9) من مشروع القانون المعدل، المعدلتين للمادتين (15) و(19) من القانون الأصلي، من خلال ضوابط وإجراءات تفصيلية تمنح الوزير المختص ومجلس إدارة السجل أدوات مباشرة للتدخل في إدارة الجمعيات ومتابعة شؤون أعضائها والتحكم في مدد استمرار إداراتها.
ففي جانب إدارة الكيانات الأهلية، أصبح للوزير المختص صلاحية التعيين المباشر لهيئة إدارة مؤقتة تحل محل مجلس الإدارة المنتخب، فور تعثر الأعضاء الفائزين في توزيع المناصب الرئيسة، مثل الرئاسة وأمانة السر وأمانة الصندوق، خلال مهلة لا تتجاوز أسبوعين من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات. وتُضاف هذه الحالة الجديدة إلى الأسباب النافذة سابقا، والمتعلقة بفقدان النصاب القانوني نتيجة الاستقالة أو الوفاة، أو التخلف عن تصويب المخالفات المالية والقانونية خلال شهرين من الإخطار الخطي، أو التقاعس عن الإفصاح عن التبرعات والتمويلات.
أما على صعيد الإطار الزمني لإدارة هذه الهيئات وصلاحيات التأجيل، فيمنح التشريع مرونة إدارية ترتبط بالقرارات الصادرة عن الوزير؛ إذ على الرغم من تحديد مدة زمنية أولية لعمل الهيئة في قرار تعيينها، لإنجاز مهام تسيير الأعمال، يملك الوزير الصلاحية القانونية لتمديد هذه المدة وتأجيل دعوة الهيئة العامة إلى الانتخابات إذا استمرت الظروف المعيقة أو لم تُنجز متطلبات تصويب الأوضاع، ما يجعل استمرار عمل الهيئة الانتقالية مرهونا بقرارات التمديد الإدارية، إلى حين تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات جديدة.
وعلى مستوى العضوية الفردية، يتولى مجلس إدارة السجل، بناء على تنسيب من الوزير المختص، إصدار قرار بتجميد عضوية أي شخص في الهيئة العامة أو الإدارية فور إحالته إلى الجهات القضائية أو الرقابية في قضايا ذات صلة بنشاط الجمعية، وذلك كتدبير إداري احترازي يسبق الفصل النهائي في القضية. ولا تُعاد العضوية بعد التجميد بصورة تلقائية؛ إذ توجب النصوص المعدلة استمرار القرار طوال فترة التقاضي، وتشترط صدور حكم قضائي قطعي يثبت البراءة أو عدم المسؤولية، يعقبه قرار رسمي صادر عن مجلس إدارة السجل، بناء على تنسيب الوزير، لرفع التجميد وإعادة العضو إلى ممارسة مهامه.
مكافحة غسل الأموال والمرونة المالية
وفي المجال المالي، استحدث المشروع التزامات رقابية تنسجم مع التشريعات الوطنية والدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ملزما القائمين على الجمعية ببذل العناية المعتادة للتعرف على هويات المتبرعين والمستفيدين، والتأكد من عدم إدراجهم على قوائم الإرهاب.
وفي المقابل، تضمن التعديل جانبا من المرونة، تمثل في رفع سقف إعفاء ميزانيات الجمعيات من التدقيق الإلزامي بواسطة محاسب قانوني، ليصبح 5 آلاف دينار بدلا من ألفي دينار، على أن تخضع الجمعيات التي تقل ميزانياتها عن هذا السقف لتدقيق وزارة التنمية الاجتماعية.
تقنين الأنشطة الدينية
وفرض المشروع ضوابط حاسمة تتعلق بالأنشطة ذات الصبغة الدينية؛ إذ أضاف فقرة تحظر على أي جمعية ممارسة أنشطة أو فعاليات ذات طابع أو معتقد ديني أو تنظيمها، أو نشر مطبوعات تتعلق بها، ما لم تكن مرخصة مسبقا وحاصلة على موافقة خطية من الوزارة المختصة والجهات الرسمية المعنية.
وإلى جانب جوانب التشديد، أدخل التعديل أطرا تنظيمية جديدة، تمثلت في استحداث مفهوم “المبادرات التطوعية” المؤقتة، المخصصة لأنشطة مجتمعية محددة وغير مستمرة، والتي تُسجّل لدى السجل بصورة مؤقتة، وفق تعليمات خاصة تضبط حساباتها البنكية المؤقتة وآليات جمع التبرعات والإفصاح عنها، على أن ينتهي تسجيلها بانتهاء الغرض الذي أُنشئت من أجله.
كما أقر المشروع رسميا مفهوم “المنصة الإلكترونية” بوصفها بوابة رقمية معتمدة لإدارة العمليات والربط البيني، وأكد الاستقلال المالي والإداري لسجل الجمعيات، ومنح الائتلافات بين الجمعيات الشخصية الاعتبارية المستقلة عند تسجيلها.
التنمية الاجتماعية: التعديلات تواكب معايير مجموعة العمل المالي
وفي تصريحات خاصة لـ”الغد”، أكدت وزارة التنمية الاجتماعية أن التعديلات تستهدف تطوير بيئة العمل المؤسسي للجمعيات، وتعزيز كفاءتها الإدارية والتنظيمية، وتسهيل إجراءاتها، وتمكينها من توجيه مواردها نحو تنفيذ البرامج والمشروعات التنموية وخدمة المجتمعات المحلية.
وأوضحت الوزارة أن التعديلات توفر السند القانوني لاعتماد منصة إلكترونية موحدة لإدارة أعمال الجمعيات وتوثيق معاملاتها، بما يسهم في تسريع الإنجاز والحد من المعاملات الورقية، فضلا عن تخفيف الأعباء الإدارية والمالية على الجمعيات الصغيرة والناشئة. ولفتت إلى أن وضع إطار قانوني لتصنيف الجمعيات وفق مستويات الأداء والإنجاز يساعد على توجيه الدعم والتمويل وفق معايير واضحة تستند إلى كفاءة الأداء والأثر الإيجابي للمشروعات.
وأشارت الوزارة إلى أن التعديلات تراعي الالتزامات والمعايير الدولية ذات الصلة، بما فيها التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF)، المعروفة اختصارا باسم (Financial Action Task Force)، بما يعزز سلامة الإجراءات المالية والإدارية ويدعم مكانة المملكة والتزامها بالمعايير الدولية.
وفيما يتعلق بصندوق دعم الجمعيات، بينت الوزارة أن التعديلات تستهدف تطوير الإطار القانوني الناظم لعمل الصندوق، ومنحه المرونة الإدارية والفنية اللازمة لإدارة موارده وتنميتها واستثمارها بكفاءة، بما يضمن استدامة هذه الموارد.
وكان مجلس الوزراء قد وافق، في جلسته المنعقدة الأحد الماضي، على الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل لسنة 2026، الذي يأتي انسجاما مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي والإستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية.
وتأتي مسودة التعديلات ثمرة عمل لجنة مراجعة قانون الجمعيات، التي شُكّلت عام 2023 بقرار من وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى، وأُعيد تفعيلها برئاسة أمين سجل الجمعيات ناصر الشريدة عام 2025، لتُعتمد المقترحات الأولية في تشرين الأول من العام ذاته، قبل إحالتها إلى مسارها التشريعي.

هديل غبون

مشاركة: