انجاز-في حفل اتسم بروح العمل الجماعي والتعاون بين الهيئات الثقافية المحلية المساندة لمهرجان جرش للثقافة والفنون، استعادت جرش جانبًا من ألقها الثقافي، وعاد المهرجان ليحضر في الصالونات الثقافية والمقاهي والساحات والمضافات، ضمن مبادرة من إدارة المهرجان تستحق التقدير، لما حملته من رؤية تؤكد أهمية الشراكة مع الهيئات الثقافية المحلية، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي الوطني.
ويشكّل خروج فعاليات المهرجان من إطاره التقليدي إلى الفضاءات الثقافية والاجتماعية في مدينة جرش ومحيطها خطوة مهمة في الوصول إلى الجمهور، وإزالة بعض الحواجز التي تحول أحيانًا دون تفاعل فئات من المجتمع مع فعاليات المهرجان.
فالوصول إلى الناس في أماكنهم، وتقديم الفعاليات الثقافية والفنية بين أيديهم، يتيح لهم التعرف عن قرب إلى ما يقدمه المهرجان، ويبدد كثيرًا من التصورات المسبقة التي قد تحول دون حضور بعضهم فعالياته. فالمهرجان لا يقتصر على فعاليات المدرج الجنوبي، الذي يمثل جزءًا من مشهد ثقافي وفني أوسع، تتنوع فيه صنوف الأدب والموسيقى والفنون الشعبية والتراثية، وهي الفنون التي شكّلت على امتداد تاريخ المجتمع الأردني جزءًا أصيلًا من أفراحه وذاكرته الجمعية.
ومن هنا، فإن هذه المبادرة تمثل جسرًا بين المهرجان والمجتمع المحلي، وتؤكد أن الثقافة لا ينبغي أن تبقى محصورة في المسارح والمنصات الكبرى، بل يمكن أن تكون حاضرة في الصالون الثقافي والمقهى والساحة والمضافة، حيث يلتقي الناس ويتبادلون الأفكار ويحافظون على ذاكرتهم الثقافية.
كما أن لمهرجان جرش دورًا مهمًا في تفعيل الطاقات الإبداعية لأبنائه، وتوثيق النتاج الثقافي والفني، والتعريف بالهوية الأردنية بكل فسيفسائها وتنوعها، ضمن سردية وطنية جامعة تستوعب مختلف مكونات المجتمع، وتقدم صورة متكاملة عن الأردن وتاريخه وإنسانه وإبداعه.
وتبرز أهمية هذه الرؤية في قدرتها على الانتقال بالمهرجان من مجرد مناسبة فنية سنوية إلى مشروع ثقافي مستدام، تتداخل فيه الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية، ويسهم في تعزيز حضور جرش على خارطة الثقافة الوطنية والعربية.
وفي هذا السياق، فإن القيادة الثقافية الواعية، بدءًا من التوجيهات الملكية السامية، مرورًا بدور سمو ولي العهد، وما يتمتع به وزير الثقافة من حصافة ووضوح في الرؤية والرسالة، وصولًا إلى الدور الذي يضطلع به المستشار الدكتور يزن الخضير من جرأة في اتخاذ القرار واستقلالية في الرؤية واستشراف لمستقبل المهرجان، أسهمت في الدفع باتجاه قرارات تتجاوز الآنية إلى التفكير في بناء استراتيجية ثقافية مستدامة.
إن نجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بعدد الحضور، وإنما بقدرتها على بناء علاقة جديدة بين المهرجان والمجتمع، وإشراك الهيئات الثقافية المحلية في صناعة المشهد، وتحويل الثقافة إلى مساحة للتلاقي والحوار والعمل المشترك.
وتؤكد تجربة هذه المبادرة أن جرش، بما تمتلكه من إرث تاريخي وثقافي عريق، قادرة على أن تجعل من الثقافة جسرًا يصل الماضي بالحاضر، وأن تجعل من مهرجانها مساحة أوسع للتواصل مع أهلها وزوارها، وأن الشراكة بين المؤسسات الرسمية والهيئات الثقافية المحلية تمثل رافعة أساسية لاستدامة الحراك الثقافي وتعزيز حضوره في المجتمع.
علي سلامة عضيبات
رئيس اللجنة






