بقلم د محمد كامل القرعان
تشهد كليات الصحافة والإعلام وأقسامها في الجامعات اهتمامًا متزايدًا بالإعلام الرقمي، والتصوير، والمونتاج، وإنتاج المحتوى المتعدد الوسائط، وهو توجه تفرضه التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام وسوق العمل. غير أن هذا التطور، على أهميته، يجب ألا يأتي على حساب الأساس الذي تقوم عليه المهنة: المهارات التحريرية والكتابة الصحفية والقدرة على جمع المعلومات والتحقق منها وصياغتها.
فالطالب في كلية الصحافة والإعلام لا يكفي أن يتقن التصوير والمونتاج وإنتاج الفيديو للمواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، إذا كان لا يستطيع كتابة خبر صحفي متكامل، أو صياغة عنوان ومقدمة، أو إجراء مقابلة، أو التواصل مع المصادر والوصول إلى المعلومات الموثوقة. فالكتابة الصحفية هي التي تساعد الطالب على بناء الفكرة، وتحويل المعلومات والوقائع إلى مادة إعلامية متماسكة ومهنية.
ومن هنا، فإن تدريب الطلبة على كتابة الخبر والتقرير والتحقيق والمقابلة، إلى جانب مهارات البحث والتقصي والتواصل مع المصادر، يجب أن يحتل مساحة أساسية في الخطط الدراسية والتدريب العملي. كما ينبغي أن يعيش الطالب التجربة الميدانية الحقيقية؛ فينزل إلى الميدان، ويتعامل مع المصادر، ويتعلم كيف يطرح السؤال، وكيف يجمع المعلومات ويتحقق منها، وكيف يحول الوقائع إلى قصة صحفية تستحق النشر.
وهذا يتطلب أيضًا أن تضم كليات الصحافة والإعلام أعضاء هيئة تدريس متمرسين جمعوا بين الخبرة الأكاديمية والممارسة المهنية، ممن عملوا في المؤسسات الصحفية والإعلامية، وعاشوا تفاصيل الميدان، ومارسوا الكتابة والتحرير والتغطية الصحفية، وفي الوقت ذاته واكبوا التحولات المتسارعة في الإعلام الرقمي وأدواته. فالأستاذ الذي مارس المهنة يستطيع أن ينقل للطالب واقع العمل كما هو، وأن يربط المعرفة النظرية بالممارسة العملية، وأن يهيئه للانتقال من قاعة المحاضرة إلى غرفة الأخبار والميدان بثقة وكفاءة.
فالصحافة ليست مجرد أدوات تقنية، والإعلام الرقمي ليس بديلًا عن التفكير الصحفي. الكاميرا تلتقط الصورة، وبرامج المونتاج تنتج الفيديو، والمنصات الرقمية تمنح المحتوى انتشارًا واسعًا، لكن الفكرة الصحفية الجيدة تحتاج إلى عقل يعرف كيف يبحث ويسأل ويتحقق ويكتب.
المطلوب إذن ليس العودة إلى الصحافة التقليدية بمعزل عن التطور الرقمي، وإنما إعداد طالب يجمع بين الاثنين: صحفي يمتلك مهارات الكتابة والتحرير والعمل الميداني، وإعلامي رقمي قادر على تحويل هذه المهارات إلى محتوى بصري ورقمي متنوع.
فالتكنولوجيا تتغير باستمرار، أما جوهر العمل الصحفي القائم على الفكرة والمعلومة والكتابة والتحقق فيبقى هو الأساس. وكلما امتلك الطالب هذا الأساس، أصبح أكثر قدرة على استخدام الأدوات الرقمية لصناعة إعلام مهني مؤثر، لا مجرد محتوى سريع الاستهلاك.




