بقلم : جميل البرماوي
لم يكن خطاب العرش السامي، الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم -حفظه الله- في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد محطة دستورية عابرة، بل جاء وثيقة استراتيجية متكاملة وخارطة طريق وطنية محكمة، حملت في ثناياها رسائل عميقة المعاني للداخل والخارج. فالخطاب، برغم إيجازه، جاء قاطعاً في مضامينه، ناطقاً بالحق بروح العزم والثبات، مستنداً إلى إيمان جلالته المطلق بقوة الدولة الأردنية، ومؤسساتها الراسخة، وصلابة نسيجها الوطني. لقد تجلت في كلمات القائد الأب روح الإنسانية والمسؤولية التاريخية، مؤكداً للأمة أن الأردن سيبقى الرقم الأصعب وعنواناً للثبات والاستقرار في منطقة تعصف بها التحولات والأزمات. وقد استهل جلالته خطابه باستذكار الشهداء الذين قضوا إثر الاعتداء الإرهابي الجبان الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، ليؤكد بحزم أن الأردن عصي على المعتدي، وأن منعة الوطن تستند إلى تماسك شعبه، ووعي أبنائه، ويقظة قواته المسلحة وأجهزته الأمنية الباسلة. لقد خاطب جلالة الملك عقل الأمة ووجدانها، مرتكزاً على مبدأ سيادي راسخ مفاده أن “الأمة مصدر السلطات”، وهو المبدأ الذي يمنح الجبهة الداخلية منعتها ضد أي اختراق. وفي هذا السياق، وضع جلالته السلطة التشريعية “الأعيان والنواب” أمام مسؤولياتها التاريخية باعتبارها ركناً أساسياً في الحياة الديمقراطية، وصوتاً حقيقياً للوطن، ورقيباً فاعلاً وناجزاً على الأداء الحكومي، لضمان مأسسة النهج الديمقراطي وترسيخ دولة المؤسسات والقانون. إلى جانب ذلك، بقيت الثوابت الوطنية والقومية حاضرة بقوة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والقدس الشريف، والوصاية الهاشمية التاريخية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، فضلاً عن حماية أمن الأردن واستقراره، والتمسك بالعروبة وحقوق الشعوب العادلة. وحمل الخطاب الملكي رسائل ردع سياسية وقانونية حاسمة لكل من تستهويه أوهام التلاعب بالحقائق أو الرهان على زعزعة استقرار الإقليم؛ فمن ظن أن طغيان الواقع يمنح الشرعية أو أن الزمن يمحو الحقائق التاريخية فهو واهم. وهنا يتجلى الرهان الملكي الأبدي على وعي المواطن الأردني؛ هذا الوعي الذي يشكل درع الوطن الأحصن حين تلتبس الطرق، وحكمته المعهودة حين تعلو الانفعالات، وإخلاصه المنقطع النظير حين تشتد الخطوب وتدلهم المحن. وفي مسار التحديث الشامل الذي تقوده الدولة بخطى واثقة وثابتة، عكست الرؤية الملكية بُعداً اقتصادياً استراتيجياً يرتكز على تعزيز منعة الاقتصاد الوطني، والتسريع في إنجاز المشاريع الكبرى الطموحة، وربط الخطط الحكومية بمؤشرات أثر واضحة تعزز جاذبية الاستثمار وتنعكس إيجاباً على مستوى معيشة المواطن، بالتوازي مع تكريس أولوية الأمن الوطني بأبعاده كافة، وفي طليعتها الأمن المائي وسيادة القانون. أما إقليمياً ودولياً، فقد أرسى الخطاب معادلة الدبلوماسية الاستراتيجية الصلبة، مؤكداً أن الأردن. – الذي طالما تصدر المدافعين عن قضايا أمته – لن يشيح بنظره عن أي تهديد يمس أمنه وحدوده. فالأردن، كما أراده قائده، يقف بكل صرامة وصلابة ليكون سداً منيعاً في وجه كل معتدٍ أثيم، ومهاباً في وجه كل متغافل عن تاريخه العريق ومواقفه القومية الشريفة. إن هذا الحمى العربي الهاشمي سيظل يكتب فصولاً متجددة من المجد والإنجاز، عنوانها الأبدي أن “الإنسان الأردني” هو أغلى ما تملك هذه الدولة، وأن مسيرة البناء والعطاء لا تراجع فيها مهما اشتدت التحديات وعظمت الصعاب. ويبقى السؤال الأهم: كيف لنا، مؤسسات وأفراداً، أن نحول التوجيه الملكي إلى خطة عمل حقيقية تحفظ للدولة والمجتمع قوته ومنعته أمام ما يجابهه من تحديات وتهديدات جسام؟.





