حين تُزهر المعرفة في حضرة الوفاء
بقلم الدكتور صالح العجلوني
في إشهار موسوعة الأستاذ الدكتور كامل العجلوني: «الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش المضطر؟»
في مساءٍ أطلّ على قصر الثقافة بثوبٍ من ذهب، اجتمع العلم والمحبة في لقاءٍ لم يكن مجرد احتفال بإشهار موسوعة علمية، بل مناسبةً امتزجت فيها فرحة الإنجاز بصدق الوفاء، والتقت فيها ذاكرة السنين بدفء المحبة، لتؤكد أن بعض الرجال لا يجمعون الناس حول أعمالهم فحسب، بل تجمعهم حولهم قلوبٌ أحبّتهم وأرادت أن تشاركهم فرحتهم.
كان الموعد إشهار موسوعة الأستاذ الدكتور كامل العجلوني، «الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش المضطر؟»، ذلك العمل العلمي الذي استغرق سبع سنوات من البحث والتقصي، وجاء في أربعة مجلدات تضم أكثر من 2486 صفحة، مستندةً إلى أكثر من 1847 مرجعًا ومقالة من مصادر عربية وأجنبية.
وتتناول الموسوعة مسيرة الحضارتين العربية الإسلامية والغربية، وما شهدته علاقتهما من تحولات سياسية وفكرية وثقافية، طارحةً أسئلةً عميقة حول العداء والتعايش، والصراع والتفاعل، وداعيةً إلى قراءة التاريخ بعقلٍ منصف يتجاوز الأحكام المسبقة. فقيمة الكتاب لا تكمن في كثرة صفحاته ومراجعه فحسب، بل في قدرته على فتح آفاق التفكير، وإثارة الأسئلة التي تستحق البحث والحوار.
وقد ازدانت القاعة بحضورٍ متنوع من رجال الدولة والوزراء والنواب، وأساتذة الجامعات، والمثقفين والباحثين، ورجال الدين والقضاء، في مشهدٍ بدا كأنه لوحة أردنية تتآلف فيها الألوان، وتلتقي فيها مختلف المواقع والمقامات عند تقدير العلم والاحتفاء بالإنسان.
وتوالت الكلمات التي استحضرت جوانب من سيرة الدكتور كامل العجلوني ومسيرته طبيبًا ناجحًا، وباحثًا متألقًا، وإداريًا ترك بصمته في المؤسسات التي تولّى مسؤوليتها. وكانت الشهادات، على اختلافها، تلتقي عند حقيقةٍ واحدة: أن وراء هذا الإنجاز عقلًا لا يملّ السؤال، وإرادةً لا تستسلم أمام مشقة البحث، وإنسانًا ترك في نفوس الذين عرفوه أثرًا طيبًا يتجاوز حدود الإنجاز والألقاب.
لكن أجمل ما في الأمسية لم يكن الموسوعة وحدها، بل ذلك المشهد الإنساني الدافئ الذي أحاط بها. فقد جاء بعض الأحبة رغم متاعبهم الصحية وما تركته السنون من تعب، وكأنهم أرادوا أن يقولوا إن الوفاء لا تقيسه المسافات، وإن المحبة الصادقة تمنح أصحابها قوةً تتجاوز مشقة الطريق.
كنت أرقب الوجوه والمصافحات والابتسامات، فأرى في كل منها حكايةً من تاريخٍ مشترك؛ صديقًا يستعيد ذكرى، وزميلًا يجدّد عهدًا، وقريبًا يفرح لإنجاز عزيز عليه. وأدركت أن الحاضرين لم يكونوا شهودًا على إشهار كتاب فحسب، بل كانوا شهودًا على رصيدٍ من المحبة بناه الدكتور كامل عبر سنوات حياته وعمله.
وما إن انتهى الحفل حتى التفّ الحضور حوله، يباركون إنجازه ويلتقطون الصور التذكارية معه، فيما كان يستقبلهم بابتسامته المعهودة وبشاشته التي جعلت المناسبة أقرب إلى لقاء الأهل والأحبة منها إلى احتفال رسمي.
وفي تلك اللحظات، بدا لي أن أجمل ما يجنيه الإنسان من رحلة عمره ليس ما يضعه على رفوف المكتبات وحدها، بل ما يزرعه في قلوب الناس؛ فالمكتبات تحفظ كتبه، أما القلوب فتحفظه هو.
دكتور كامل، يا ابن الصريح الأصيل، ويا ابن عمتي الذي أعتز به، ويا خالي الكريم الذي تجمعني به صلة الرحم ووشائج المحبة وذاكرة المكان؛ لقد كان فرحي بك في تلك الأمسية فرحًا بإنجازك العلمي، واعتزازًا بقريبٍ عزيزٍ أرى فيه ثمرة سنواتٍ من العطاء والاجتهاد، وأحد أبناء الصريح الذين حملوا اسمها في ميادين العلم والعمل.
ما أجمل أن أراك وقد أشرق الفرح على وجهك، والتفّ حولك الأهل والأصدقاء والزملاء، وكأن تعب السنين وجد أخيرًا نافذته إلى الضوء. لقد كانت ابتسامتك أبلغ من الكلمات، تختصر فرحة الباحث بثمرة جهده، وفرحة الإنسان بمحبة الذين يشاركونه رحلته.
دمتَ يا دكتور كامل مزهرًا كربيعٍ لا يشيخ، وعامرًا بالمحبة، كريم السيرة، عظيم الأثر. أسعد الله قلبك كما أسعدت قلوبنا، وبارك في علمك وعملك، وجعل ما كتبت نورًا ينتفع به الباحثون وطلاب المعرفة، وأدام عليك الصحة والعافية.
دمتَ لنا خالًا كريمًا، وأبًا حانيًا، ووجهًا نأنس برؤيته، وفرحًا لا يغيب، وعطاءً لا ينضب، وربيعًا لا يشيخ.
فما أجمل أن يجتمع للإنسان المجد في العلم، والطيب في السيرة، والوفاء في المحبة؛ وأن يظل أثره حاضرًا في صفحات الكتب وقلوب الأحبة معًا.
حين تُتوّج المعرفة بالوفاء، تزهر مرتين: مرةً في صفحات الكتب، ومرةً في قلوب الذين يحبون أصحابها.





