بقلم امجد فاضل فريحات
باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة، ورحمة الله أوسع من ذنوب عباده، والتائب من ذنبه كمن لا ذنب له إذا صدقت توبته واستوفت شروطها.
لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين ذنبٍ بين العبد وربه، وبين حقٍّ تعلّق برقبة إنسان تجاه إنسان.
فما كان من حقوق الله، فباب التوبة والاستغفار والإنابة إليه مفتوح، أما حقوق العباد فلا تمحوها كثرة الاستغفار، ولا تسترها الكلمات المنمقة، ولا تُسقطها محاولة إعادة صياغة الحقيقة بما يجعل الظالم بريئًا والمظلوم مخطئًا.
فإذا ظلمت إنسانًا، أو سلبته حقًا، أو شهدت عليه بغير الحق، أو زيّنت الباطل حتى بدا في أعين الناس حقًا، ثم حاولت بعد ذلك أن تضع فوق ذلك كله ثوبًا من الوعظ والاستغفار؛ فاعلم أن الكلمات لا تغيّر الحقائق عند الله.
وأشدّ من الظلم نفسه أن يُضاف إليه تزييف الحقيقة؛ أن يُقلب الباطل حقًا، والحق باطلًا، وأن تُزيَّن الرواية حتى يقتنع الناس بأن ما وقع كان عين العدل، وأن الغاية كانت تبرر الوسيلة، وأن لا ظلم قد وقع، ولا مظلوم قد سُلب حقه.
وهنا لا تكمن المشكلة في الخطأ وحده، بل في الإصرار على صناعة رواية جديدة للخطأ، ثم محاولة إقناع الآخرين بها، وكأن تغيير الألفاظ قادر على تغيير ما حدث.
قد تستطيع أن تقنع بعض الناس، وقد تستطيع أن تملأ المجالس بالكلام الجميل، وقد تستشهد بالنصوص والحكم والمواعظ، وقد تتخذ من الاستغفار والتوبة ستارًا لما مضى؛ لكنك لن تستطيع أن تغيّر ما استقر في ميزان العدل الإلهي.
فالله لا يحاسبنا على الرواية التي نسردها عن أفعالنا، وإنما على الحقيقة التي يعلمها عن أفعالنا.
والتوبة الصادقة من حقوق العباد ليست مجرد كلمات تُقال، ولا مظهرًا يُتزيّن به أمام الناس؛ وإنما تبدأ بالاعتراف بالخطأ، وردّ الحق إلى صاحبه، وطلب المسامحة ممن وقع عليه الظلم، والإقلاع عن الظلم، والعزم الصادق على ألا يعود الإنسان إليه.
أما أن يُظلم الإنسان، ثم يُطلب منه أن يقتنع بأن ما وقع عليه لم يكن ظلمًا، فهذه ليست توبة من الظلم، بل محاولة أخرى لإخفائه.
افعل ما تشاء، وزيّن كلامك كما تشاء، وخذ العزة بالإثم إن شئت، ولكن لا تظن أن جمال الكلمات قادر على إسقاط حقوق المظلومين من ميزان العدل.
فقد ينسى الناس، وقد يقتنع بعضهم بالرواية المصطنعة، وقد تتغير المواقف والأسماء والظروف، لكن حق المظلوم لا يتغير بتغير الروايات، ولا يسقط بتقادم الزمن، ولا يختفي خلف كثرة الاستغفار.
والتوبة التي يُرجى قبولها ليست توبة اللسان وحده، وإنما توبةٌ تُصلح ما أفسدته اليد، وترد ما سُلب، وتنصف من ظُلم، وتعترف بالحقيقة مهما كانت مؤلمة.
ولذلك صدق أبو العتاهية حين قال:
ترجو النجاةَ ولم تسلكْ مسالكَها
إنَّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ
فمن أراد النجاة، فليسلك طريقها؛ ومن أراد التوبة، فليبدأ من الحقيقة؛ ومن كان في رقبته حقٌّ لإنسان، فليؤدِّ الحق إلى صاحبه.
فالتوبة لا تكون بتغيير الحقيقة، وإنما بالرجوع إليها.
ولا تكون بتجميل الباطل، وإنما بالتراجع عنه.
ولا تكون بإسكات صوت المظلوم، وإنما بردّ مظلمته.
وفي النهاية، قد تستطيع أن تغيّر الحكاية أمام الناس، لكنك لن تستطيع أن تغيّر الحقيقة أمام الله.
فالحقوق لا تموت لأن أصحابها صمتوا، والظلم لا يصبح عدلًا لأن أحدًا أحسن صياغته.
تذكّر أن أخطر ما يفعله الإنسان بعد ظلمه ليس أن يخطئ، وإنما أن ينجح في إقناع نفسه والآخرين بأنه لم يخطئ أصلًا.
فحين تُقلب الحقائق، ويُمنح الباطل ثوب الحق، ويُصوَّر المظلوم على أنه مخطئ، ثم تُرفع راية التوبة والاستغفار فوق كل ذلك، فإن المشكلة لم تعد في الذنب وحده، بل في محاولة طمس آثاره وإنكار حقيقة ما جرى.
قد تُغلق الأبواب، وقد تخفت الأصوات، وقد يرحل أصحاب الحقوق، وقد ينجح المرء في صناعة رواية يصفق لها كثيرون…
لكن هناك ميزانًا لا تجامل فيه الروايات، ولا تنفع أمامه البلاغة، ولا تغيّره الشهادات المزيّنة، ولا تنقذه كثرة الاستغفار إن بقي الحق في رقبة صاحبه.
هناك يومٌ تُرد فيه المظالم، وتنكشف فيه الحقائق، وتسقط فيه الأقنعة، ويقف كل إنسان أمام ما قدّم، لا أمام الصورة التي أراد أن يرسمها لنفسه.
فلا تجعل التوبة وسيلة للهروب من تبعات الظلم، ولا تجعل الاستغفار ستارًا يحجب حقوق المظلومين، ولا تظن أن تبديل الأسماء وتجميل العبارات سيبدّل حقيقة ما حدث.
إن أردت التوبة، فابدأ بالحقيقة.
وإن أردت المغفرة، فردّ الحقوق.
وإن أردت النجاة، فلا تبنِ نجاتك على مظلمة إنسان.
فما بينك وبين الله قد تغفره توبة صادقة، أما ما بينك وبين عباده، فله حساب آخر.
وقد تنجو من أعين الناس، لكنك لن تنجو من عينٍ لا تنام، ولن تستطيع أن تقنع العدل الإلهي بأن الظلم كان عدلًا… مهما أتقنت رواية الحكاية.
وترحل الكلمات، وتسقط التبريرات، ويبقى الحق حقًا، والظلم ظلمًا، ويقف كل إنسان يومًا أمام الحقيقة التي حاول طويلًا أن يهرب منها




