وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

الدورة الاستثنائية لمجلس النواب.. من الاجتهاد الفردي إلى القرار الكتلوي

التحرير
٣١ آب ٢٠٢٦ 3 دقائق قراءة
الدورة الاستثنائية لمجلس النواب.. من الاجتهاد الفردي إلى القرار الكتلوي

بقلم :محمد الروسان

مع إسدال الستار على الدورة الاستثنائية الأولى لمجلس النواب العشرين، والتي شهدت إقرار ستة مشروعات قوانين بعد جلسات تشريعية مكثفة، يصبح من المهم ألا تقتصر قراءة التجربة على عدد القوانين التي أُقرت، بل أن نتوقف أيضاً عند آليات العمل النيابي داخل المجلس، ودور الكتل والأحزاب في صناعة القرار التشريعي
لا شك أن الدورة الاستثنائية شكلت محطة تشريعية مهمة، خصوصاً أنها تناولت ملفات تمس الإدارة المحلية، والجامعات، والملكية العقارية، وتنظيم العمل المهني، وهيئة الاعتماد وضمان الجودة. وقد شهدت الجلسات نقاشات واسعة ومداخلات متعددة من أعضاء المجلس حول مواد مشروعات القوانين المختلفة.
لكن السؤال الأهم الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو: هل ظهرت الكتل النيابية خلال هذه الدورة كأطر سياسية تمتلك قراراً جماعياً واضحاً، أم بقي حضورها في كثير من الأحيان أقرب إلى تجمع لعدد من النواب الذين يتحدث كل منهم برؤية وموقف مستقل؟
إن جوهر العمل الكتلوي لا يتمثل فقط في وجود مجموعة من النواب تحت اسم كتلة، وإنما في القدرة على تشكيل موقف سياسي وتشريعي موحد بعد دراسة مشروع القانون ومناقشة مواده داخل الكتلة، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، ثم الوصول إلى قرار جماعي يمثل موقف الكتلة أمام المجلس
فإذا كان كل نائب داخل الكتلة يقدم مداخلته الخاصة، ويطرح تعديله أو موقفه بصورة منفردة، دون أن يسبقه نقاش داخلي ينتهي إلى موقف موحد، فإننا نكون أمام ممارسة نيابية فردية داخل إطار جماعي، وليس أمام عمل كتلوِي حقيقي
وهنا تظهر أهمية المرحلة الجديدة من الحياة البرلمانية والحزبية في الأردن، فوجود الأحزاب والكتل في مجلس النواب يفترض أن ينقل العمل البرلماني تدريجياً من مرحلة النائب الفرد إلى مرحلة البرنامج والموقف الجماعي
ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال تقييد حرية النائب أو مصادرة حقه في إبداء رأيه؛ بل على العكس، فإن قوة الكتلة تبدأ من النقاش الداخلي الحر، حيث تختلف الآراء داخل الغرف المغلقة، ثم تُبنى عليها صيغة توافقية واضحة، ليخرج ممثل الكتلة أمام المجلس بموقف يعكس خلاصة هذا النقاش
ومن هنا، كان من الممكن أن تكون بعض المداخلات خلال الدورة الاستثنائية أكثر فاعلية لو سبقتها اجتماعات متخصصة داخل الكتل، تُناقش فيها مشاريع القوانين مادةً مادة، ويُستمع إلى الخبراء وأصحاب الاختصاص، ثم يتم الاتفاق على أبرز الملاحظات والتعديلات والأسباب الموجبة لها، ليتم عرضها أمام المجلس بصورة منظمة باسم الكتلة
هذا النموذج لا يقلل من حضور النائب، وإنما يرفع من قيمة حضوره؛ لأن النائب هنا لا يتحدث فقط باسمه، بل يتحدث باعتباره جزءاً من مشروع سياسي وبرنامج تشريعي
لقد قطعت الحياة النيابية والحزبية الأردنية خطوات مهمة باتجاه تطوير العمل البرلماني، ووجود كتل حزبية متعددة في المجلس يعكس تحولاً ينبغي البناء عليه، وتشير بيانات مجلس النواب إلى وجود كتل حزبية وكتلوية متعددة في المجلس الحالي، ما يجعل تطوير آليات التنسيق واتخاذ القرار داخلها ضرورة عملية وليست مجرد ترف سياسي
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال واضح من “مداخلات النواب” إلى “مواقف الكتل”، ومن تعدد الآراء الفردية داخل الجلسة إلى نقاش مؤسسي يسبقها، ومن الحضور الشكلي للكتلة إلى قدرتها على صناعة القرار التشريعي
فالبرلمان القوي لا يُقاس فقط بعدد المداخلات التي تُقال تحت القبة، وإنما بقدرته على إنتاج قرارات مدروسة، ومواقف واضحة، ورؤى سياسية وتشريعية قابلة للقياس والمساءلة
إن نجاح تجربة التحديث السياسي لا يتوقف عند زيادة عدد الحزبيين تحت القبة، بل يتطلب أن تتحول الأحزاب والكتل إلى مدارس حقيقية لصناعة القرار، وأن يصبح لكل كتلة موقف واضح من التشريعات والقضايا الوطنية، وأن يعرف المواطن مسبقاً ماذا تريد هذه الكتلة ولماذا، وكيف ستصوت، وما الذي ستدافع عنه

وهنا تكمن الخطوة الأهم في تطوير التجربة البرلمانية الأردنية:
أن ننتقل من نائب يتحدث باسم نفسه، إلى كتلة تتحدث باسم رؤية؛ ومن مداخلة فردية، إلى قرار جماعي؛ ومن حضور نيابي، إلى عمل سياسي مؤسسي

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الكتل والأحزاب في المرحلة المقبلة.
عضو المدرسة الحزبية/حزب التغيير 

مشاركة: