د . تحسين منصور
ثمة أماكن لا تختصرها الجغرافيا، ولا تحدد قيمتها جدرانها ومبانيها، لأنها تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة الناس ووجدانهم. والجامعة الأردنية واحدة من تلك الأمكنة التي تجاوزت حدود المؤسسة التعليمية لتصبح حكاية وطن، وذاكرة أجيال، ورافداً أساسياً من روافد بناء الدولة الأردنية الحديثة.أخبار الأردن
وحين وقعت عيناي على الصورة التي نشرتها الجامعة الأردنية، وتحتها عبارة «قِبابها تروي فصولاً من ذاكرة المكان»، استوقفتني العبارة طويلاً. فهذه القباب والمباني والممرات والساحات ليست مجرد تفاصيل معمارية، بل شواهد على مسيرة وطنية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود، عبرتها أجيال من الطلبة والأساتذة والباحثين، وحملت معها إلى المجتمع ومؤسسات الدولة ما تعلمته من علم ومعرفة وخبرة وقيم.
منذ تأسيسها عام 1962، لم تكن الجامعة الأردنية مجرد استجابة لحاجة المجتمع إلى التعليم العالي، بل كانت مشروعاً وطنياً استراتيجياً، عبّر عن إيمان مبكر بأن بناء الدولة لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من قاعات العلم ومدرجات المعرفة ومختبرات البحث العلمي.
لقد أدرك الأردن، في مرحلة مبكرة من مسيرته الحديثة، أن الدولة التي تريد أن تنهض وتبني مؤسساتها وتواكب تحولات العصر تحتاج إلى كوادر مؤهلة، وعقول قادرة على التفكير والإبداع والإدارة، وقيادات تمتلك المعرفة والرؤية. ومن هنا جاءت الجامعة الأردنية لتؤدي دوراً تجاوز التدريس والتأهيل الأكاديمي إلى الإسهام المباشر في تشكيل النخب الوطنية التي شاركت في إدارة مؤسسات الدولة وقيادة قطاعاتها المختلفة.
ولعل أحد أبرز أوجه هذا الدور يتمثل في خريجي الجامعة الذين وصلوا إلى مواقع متقدمة في الحياة العامة، وتولوا مسؤوليات وزارية وقيادية ودبلوماسية وأكاديمية واقتصادية. فقد خرجت الجامعة شخصيات تولت رئاسة الحكومات، وحقائب وزارية، ومواقع متقدمة في الإدارة العامة ومؤسسات الدولة، فضلاً عن حضور خريجيها في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الإقليمية والدولية.
وليس الأمر مجرد ألقاب أو مواقع وظيفية، بل هو تعبير عن قدرة المؤسسة الجامعية على رفد المجتمع بكفاءات تتعدد تخصصاتها وتتباين خبراتها، لكنها تلتقي عند حقيقة أن المعرفة كانت نقطة انطلاق في مساراتها المهنية والوطنية.
لقد أسهمت الجامعة الأردنية في تكوين جيل من القيادات والخبراء في الطب والهندسة والقانون والاقتصاد والعلوم الإنسانية والإعلام والسياسة والإدارة، وكان لخريجيها حضور ملموس في تشكيل الحياة المؤسسية الأردنية، وفي نقل الخبرة الأردنية إلى المحيط العربي والدولي. وهذا ما يجعل الحديث عن الجامعة حديثاً عن جزء من تاريخ الدولة وتطور مؤسساتها، وليس عن مؤسسة أكاديمية بمعناها الضيق.





