الأردن بلد صغير بالموارد الطبيعية، لكنه غني بموارده البشرية.
لدينا أطباء ومهندسون وممرضون وخبراء في تكنولوجيا المعلومات والتعليم والإعلام ومختلف التخصصات، يعمل كثير منهم اليوم في أسواق إقليمية ودولية، ويحققون نجاحات نفتخر بها.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نملك الكفاءات؟
السؤال هو: هل نملك منظومة وطنية احترافية لتسويق هذه الكفاءات في العالم؟
لدينا قطاع طبي أردني يمتلك خبرات متقدمة، ولدينا دول تحتاج إلى هذه الخبرات، وفي مقدمتها أسواق الخليج. فلماذا لا تتحول هذه الميزة إلى اتفاقيات حكومية واضحة تفتح أسواقاً جديدة أمام الكفاءات الأردنية، وتضمن في الوقت ذاته أن يكون الأردن هو المستفيد الاقتصادي والمؤسسي من تصدير خبراته؟
ما نحتاجه ليس تسويقاً تقليدياً، وإنما دبلوماسية اقتصادية وتسويق وطني متكامل.
تجربتي خارج وطني في فترة اغترابي جعلتني أطرح سؤالاً أكبر:
من يختار من يسوّق الأردن؟ وعلى أي أساس؟
إذا كانت الدولة تريد أن تنافس في الأسواق الإقليمية والدولية، فلا يكفي أن نمتلك الإمكانات.
يجب أن نضع هذه الإمكانات في أيدي أشخاص يمتلكون الخبرة والعلاقات والقدرة الحقيقية على فتح الأسواق وبناء الشراكات.
الأردن بحاجة إلى مشروع وطني لتسويق موارده البشرية.
مشروع يجمع الحكومة والقطاع الخاص والغرف التجارية والجامعات والنقابات والقطاع الطبي والإعلام والخبرات الأردنية في الخارج، ويضع خريطة واضحة للدول التي تحتاج إلى الكفاءات الأردنية، ثم يعمل على عقد اتفاقيات وشراكات معها.
لدينا شباب يبحثون عن فرصة، ولدينا أسواق تبحث عن الكفاءة. فلماذا لا نربط الطرفين؟
والأخطر من ذلك أن تتحول بعض المصالح الخاصة إلى عائق أمام وصول الكفاءات الأردنية إلى الأسواق، أو أن يصبح الاحتكار أقوى من المصلحة الوطنية.
أنا لا أتهم قطاعاً أو رجال أعمال بعينهم، لكن من حقنا أن نسأل:
هل نريد اقتصاداً يفتح الأبواب أمام الشباب الأردني، أم اقتصاداً تحكمه دوائر ضيقة تخشى المنافسة؟
إن تسويق الكفاءات الأردنية لا يعني “تصدير الشباب” وحسب، بل يمكن أن يكون صناعة وطنية متكاملة: اتفاقيات حكومية، شركات توظيف وتسويق متخصصة، منصات رقمية للكفاءات، مكاتب تمثيل في الأسواق المستهدفة، معارض أردنية متخصصة، وشراكات مع الحكومات والمؤسسات الدولية.
ويمكن للأردن أن يبدأ بالقطاع الطبي، ثم ينتقل إلى تكنولوجيا المعلومات والهندسة والتعليم والخدمات المهنية والصناعات الإبداعية.
كما يمكن للكفاءات الأردنية الموجودة في الخارج أن تكون جزءاً من هذه المنظومة، لا مجرد أفراد يعملون بشكل منفصل.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات عن البطالة.
يحتاج إلى أن يسأل العالم: من يحتاج إلى الطبيب الأردني؟ من يحتاج إلى المهندس الأردني؟ من يحتاج إلى المبرمج الأردني؟ من يحتاج إلى المعلم والخبراء الأردنيين؟
ثم نذهب نحن إلى هذه الأسواق ونقدم لهم الأردن بطريقة احترافية.
لقد نجحت دول كثيرة في بناء اقتصاداتها ليس فقط من خلال مواردها الطبيعية، وإنما من خلال إدارة وتسويق مواردها البشرية والمعرفية.
ولذلك فإن المعركة القادمة ليست فقط مع البطالة، بل مع غياب التسويق الوطني الاحترافي.
نحن لا نفتقر إلى العقول.
ولا نفتقر إلى الشباب.
ولا نفتقر إلى الخبرات.
ربما نفتقر فقط إلى من يعرف كيف يضع كل هذه القوة الأردنية أمام العالم.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم:
هل نملك مشروعاً وطنياً حقيقياً لتسويق الأردن وكفاءاته… أم ما زلنا نترك كل قطاع وكل شركة وكل شاب يخوض المعركة منفرداً؟




