وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

أبناء الوطن لا ينتظرون إذنًا بالانتماء

التحرير
٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ 3 دقائق قراءة
أبناء الوطن لا ينتظرون إذنًا بالانتماء

بقلم ؛ د. زهور غرايبة

ذهبوا ليودّعوا عزيزًا، فأصبح الوطن يودّعهم.

ما جرى في الكرك أوجع الأردن كله. وراء أسماء الشهداء بيوتٌ لن تعود كما كانت، وعائلات تحاول أن تفهم كيف تحوّل الوداع إلى فاجعة. وبينهم أطباء وأصحاب علم وعطاء، عرف الناس خيرهم، وكانوا ينتظرون منهم المزيد.

نستذكر علمهم وخدمتهم وفاءً لسيرتهم. ونعرف أن حياة كلّ إنسان غالية، سواء حمل شهادة أم لم يحمل، وسواء عرفه الناس أم عاش بعيدًا عن الأضواء. لكلّ إنسان حقّ أن يعود إلى بيته آمنًا.

والكرك التي نحزن معها اليوم، لها في تاريخ الأردن مواقف لا تُنسى. من الهَيّة إلى بناء الدولة وخدمة مؤسساتها، قدّم أهلها جهدهم وعلمهم وتضحياتهم. في الجيش والأجهزة الأمنية، وفي المدارس والجامعات والمستشفيات، ترك الكركيون أثرهم. حملوا مسؤولية الوطن، مسلمين ومسيحيين، وعاشوا معًا تاريخ هذه المدينة وصنعوا مكانتها.

كيف يمكن، أمام هذا التاريخ، أن يصبح انتماء أيّ واحد منهم سؤالًا؟ وكيف يُطرح وجود المسيحيين الأردنيين وكأنه أمر ينتظر قبول الآخرين؟

نقبل مَن؟ ومن أعطانا حقّ القبول أو الرفض أصلًا؟

هذه بلادهم. فيها وُلدوا، وفيها قبور أهلهم، وفيها بنوا بيوتهم وربّوا أبناءهم وخدموا مجتمعهم. لا يملك أحد أن يقف على باب الوطن ويقرّر مَن يدخل ومَن يبقى. ولا يحقّ لأحد أن يعامل شريكه في البلاد كأنه ضيف.

نحن نعرف بعضنا قبل كلّ هذا الكلام. نعرف جارنا الذي نترك عنده مفتاح البيت. والطبيب الذي نأتمنه على أهلنا. والمعلّم الذي علّم أبناءنا. والصديق الذي يصل قبل أن نطلبه حين يلمّ بنا حزن.

في هذه الحياة المشتركة، لم يكن أحدنا يسأل الآخر إذنًا ليكون حاضرًا. كبرنا معًا، وعملنا معًا، وتشاركنا الخبز والفرح والعزاء. ومن هذه التفاصيل صار الأردن وطنًا نعرفه ونحبّه.

لهذا كان التضامن مع الكرك واسعًا. اجتمعت القيادة ومؤسسات الدولة ومختلف فئات المجتمع على إدانة الجريمة والوقوف مع أهل الشهداء. وحين بكى الناس، بكوا أهلًا لهم. وحين رفضوا هذا العمل الجبان، دافعوا عن أمانهم وحياتهم المشتركة.

وهذا الموقف يحمّلنا مسؤولية تتجاوز لحظة الحزن. علينا أن نواجه الفكر الذي يمنح إنسانًا حقّ الوصاية على غيره. الفكر الذي يجعل الاختلاف تهمة، ويشكّك في انتماء الناس، ويقيس حقّهم في الحياة والأمان بمقدار اتفاقهم معه.

يمكننا أن نختلف في الدين والفكر والسياسة. ويمكننا أن نناقش بعضنا بوضوح، وأن نرفض أفكارًا نراها خاطئة. لكن حقوق الناس لا تُعلّق حتى نتفق معهم، ومواطنتهم لا تُعرض علينا للموافقة.

ولا تمنح الشهادة أو المنصب أو المكانة الدينية والاجتماعية صاحبها سلطة على ضمائر الآخرين. كلّ موقع مؤثّر يزيد مسؤولية صاحبه عن كلامه. فالناس تسمع، والكلمات تترك أثرًا، وقد يبقى أثرها طويلًا.

لذلك يجب أن نسأل عمّا نقوله في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومنابرنا. ماذا نعلّم أبناءنا حين نتحدث عن المختلف؟ هل نعرّفهم إلى شريكهم في الوطن، أم نزرع بينهم وبينه خوفًا وشكًّا؟ وهل نحفظ حقوقه بوصفها حقًّا، أم نقدّمها كأنها فضلٌ منّا؟

مواجهة التطرف تبدأ أيضًا من هنا. من رفض التحريض، ورفض تبرير العنف، ورفض تحويل البشر إلى جماعات تُدان بسبب معتقدها. ومن تعليم أبنائنا أن قوة إيمانهم وقناعاتهم لا تحتاج إلى الانتقاص من إنسان آخر.

رحم الله شهداء الكرك، شهداء الوطن. وشفى المصابين، وأعان أهلهم على فاجعة الفقد.

سيبقى لأهلهم وجعهم الذي لا تستطيع الكلمات حمله. ويبقى علينا واجبٌ واضح: أن نحفظ كرامتهم، ونرفض تبرير الجريمة، ونحمي حقّ كلّ إنسان في هذه البلاد أن يعيش آمنًا بين أهله.

فلا أحد يمنح الأردنيَّ حقّه في وطنه. هذا وطنه، وهو من أهله.

مشاركة: